كشفت مصادر خاصة في العاصمة السورية دمشق، أن مكالمة فيديو جرت، الأحد، بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي، انتهت من دون التوصل إلى أي تفاهم، في ظل تباين حاد في المواقف بين الطرفين بشأن مستقبل «قسد» وشكل الحكم في شمال وشرق البلاد.
وبحسب المصادر، لـ«الشرق الأوسط»، طالب الشرع خلال الاتصال بإعلان رسمي وفوري عن حل «قسد» ودمج عناصرها كأفراد ضمن صفوف الجيش السوري، في خطوة تهدف إلى إنهاء أي كيان عسكري مستقل خارج إطار الدولة. إلا أن عبدي رفض هذا الطرح بشكل قاطع.
مقترح مضاد ورفض متبادل
في المقابل، قدّم قائد «قسد» مقترحاً بديلاً يقضي بإصدار قرار فوري بوقف القتال وانسحاب قواته من كامل محافظتي الرقة ودير الزور، مقابل العودة إلى طاولة التفاوض حول إقامة إدارة سياسية لامركزية في مناطق عين العرب (كوباني)، ومدينة الحسكة، والدرباسية، وعامودا، والرميلان.
غير أن الرئيس السوري رفض هذا المقترح أيضاً، ما أدى إلى إنهاء المكالمة من دون أي اتفاق، وكرّس حالة الجمود السياسي بالتوازي مع تصعيد ميداني متسارع.
دمشق تفرض معادلة جديدة
وتشير المعطيات إلى أن دمشق باتت تفرض واقعاً جديداً في عملية التفاوض مع «قسد»، يقوم على مبدأ واحد: دمج القوات الكردية في الجيش السوري بأسرع وقت ممكن ومن دون مماطلة. وتزامن ذلك مع تحركات عسكرية تهدف إلى بسط السيطرة على كامل منطقة الجزيرة السورية، في ظل انتفاض عشائر عربية ضد «قسد» في مناطق شرق الفرات، ما أدى إلى تراجعها وانهيار مواقعها بوتيرة متسارعة.
وفي هذا السياق، واصل الجيش السوري تقدمه الميداني، وتمكن من بسط سيطرته على مدينة الطبقة في ريف الرقة، حيث بدأت قوات الأمن الداخلي والشرطة العسكرية الانتشار داخل المدينة، وفق ما أفادت به وسائل إعلام رسمية.
اتفاق سابق بلا تنفيذ
وكانت «قسد» قد وقّعت مع الرئيس أحمد الشرع، في العاشر من مارس الماضي، اتفاقاً يقضي بدمج جميع المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة لها ضمن مؤسسات الدولة السورية بحلول نهاية العام المنصرم. غير أن الاتفاق بقي حبراً على ورق، إذ لم يُحرز الجانبان أي تقدم ملموس في تنفيذ بنوده، ما مهّد للانفجار العسكري الحالي.
«الإدارة الذاتية»: حرب وجودية ونفير عام
في موازاة ذلك، أصدرت «الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا» بياناً، اليوم، اتهمت فيه دمشق بالإصرار على الخيار العسكري ورفض الحلول السلمية، داعية السكان إلى الاستجابة لقرار «النفير العام».
وأكد البيان أن المناطق الخاضعة لسيطرة الإدارة الذاتية تخوض ما وصفه بـ«حرب وجودية»، مشدداً على أن «الخيار الوحيد هو خيار المقاومة الشعبية».
كما اتهمت الإدارة الذاتية قوات الجيش السوري بخرق الاتفاقات السابقة وشن هجمات على مواقعها في أكثر من جبهة منذ صباح أمس، رغم ما قالت إنه «إجراءات حسن نية»، شملت الانسحاب من بعض المناطق.
وحذّر البيان من أن الهدف من هذه الهجمات هو «ضرب الأخوة التي بنيت بدماء الشباب والشابات، وإثارة الفتنة والعنف بين مكونات شمال وشرق سوريا، واستهداف المكونات الأصيلة، وفرض لون واحد على باقي الأطياف».
تصعيد ميداني وخدمات متدهورة
ميدانياً، أعلنت إدارة العمليات العسكرية السورية انقطاع المياه عن مدينة الرقة بالكامل، بعد تفجير قوات «قسد» الأنابيب الرئيسية المغذية للمدينة، وفق ما جاء في بيان رسمي. وفي المقابل، أكدت الإدارة إخراج «قسد» من غرب نهر الفرات بشكل كامل.
وتأتي هذه التطورات بعد اشتباكات دامية اندلعت مطلع الشهر الحالي بين الجيش السوري و«قسد» في مدينة حلب، انتهت بطرد القوات الكردية من المدينة، قبل أن يواصل الجيش تقدمه خلال الأيام الماضية في مناطق واسعة كانت خاضعة لسيطرة الأكراد.
مشهد مفتوح على التصعيد
تعكس المكالمة الفاشلة بين الشرع وعبدي عمق الهوة بين الطرفين، وتؤشر إلى مرحلة جديدة من الصراع في شمال وشرق سوريا، حيث تتراجع فرص التسوية السياسية مقابل تصاعد الخيار العسكري، في مشهد مفتوح على مزيد من المواجهات الميدانية وإعادة رسم خريطة السيطرة في البلاد.