في تحليل موسع تناولته مجلة “إيكونوميست” حول استمرار الخلافات بين سوريا والعراق رغم التقاربات الدبلوماسية، تتكشف جذور الخلاف بين البلدين في سياق تاريخي معقّد يمتد لعقود، وقد تعمّق بفعل التحولات الإقليمية الكبرى التي شهدتها المنطقة في العقود الأخيرة.
وفي حين حظي الرئيس السوري أحمد الشرع بتغطية دولية لافتة مؤخرًا، بما في ذلك استقباله في الأمم المتحدة وإبداء الدعم من قِبل بعض العواصم الغربية، إلا أن هذا الوهج الخارجي لم يترجم إلى اختراق في العلاقات مع بغداد. فالجوار القريب لا يزال تشوبه مخاوف عميقة وترسبات تاريخية تثقل كاهل أية مبادرة للتقارب بين الطرفين.
وتعود جذور التوتر بين البلدين إلى سبعينيات القرن الماضي، عندما أسس حزب البعث قواعد حكم متنافرة في دمشق وبغداد، وكانت الخلافات بين قيادتي البلدين واضحة، إذ اتهم كل طرف الآخر بالخيانة والتآمر، وهو ما وضع العلاقة بينهما على مسار التوتر بدلاً من التحالف.
وتفاقم الموقف بشكل أكبر بعد غزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003، حين سمح النظام السوري بإطلاق سراح متشددين من سجونه، أرسلوا إلى العراق، ما أضاف بُعدًا جديدًا للصراع، وأدى إلى تعزيز دور الجماعات المسلحة الطائفية هناك، ما زال تأثيرها ممتدًا حتى اليوم في داخل العراق.
كما يشير التحليل إلى أن صعود تنظيم الدولة في 2014 ترك آثارًا عميقة على العراق وسوريا على حد سواء، إذ وجد العراق نفسه في مواجهة مباشرة مع التنظيم وأطراف مسلحة متعددة، بينما بقيت آثار تلك الحقبة متنقلة في الوعي الشعبي والسياسي في كلا البلدين، ما يعمّق الحواجز النفسية والسياسية أمام أي مصالحة حقيقية.
وعلى الرغم من جهود محمد شياع السوداني لتقوية البنية التحتية والدفع نحو الاستقرار، فإن المخاوف من تكرار موجات العنف والتأثيرات الخارجية ما تزال تلقي بظلالها على العلاقات الثنائية.
وتشير الأحداث الأخيرة إلى أن بغداد لا تزال تواجه تحديات أمنية مع وجود عشرات الآلاف من مقاتلي تنظيم الدولة الذين لم يتم السيطرة عليهم بشكل كامل، مما يزيد من حساسية النسيج الأمني والسياسي في المنطقة الحدودية.
وترى مصادر عراقية أن استمرار الذاكرة الجماعية للصراعات السابقة، إلى جانب دور الفصائل المسلحة، يصعّب التوافق على مصالحة استراتيجية بين البلدين، مهما كانت الجهود الدبلوماسية القائمة، مما يجعل العلاقة بين سوريا والعراق أكثر تعقيدًا ممّا تبدو عليه في المشهد الدبلوماسي الخارجي.