تمر الحركة الأسيرة داخل معتقلات الاحتلال الإسرائيلي بواحدة من أحلك فتراتها التاريخية وأكثرها قتامة منذ عقود من الزمن، حيث يواجه آلاف المعتقلين الفلسطينيين تصعيداً ممنهجاً وغير مسبوق في سياسات التنكيل والاعتداءات الجسدية والنفسية. وتشير التقارير الميدانية والحقوقية الموثقة إلى أن الأسرى باتوا يعيشون في واقع إنساني "كارثي" يتجاوز كافة الخطوط الحمراء، إذ يتم تجريدهم من أبسط مقومات الحياة الآدمية في إطار حملة انتقامية شاملة تهدف إلى كسر إرادتهم وتحويل حياتهم اليومية إلى جحيم مستمر خلف القضبان.
أما فيما يخص تفاصيل السياسات الانتقامية، فقد عمدت سلطات الاحتلال إلى ممارسة "سياسة التجويع" كأداة للتعذيب من خلال تقليص وجبات الطعام إلى مستويات لا تكفي للبقاء على قيد الحياة، فضلاً عن سوء جودتها، مما أدى إلى فقدان الأسرى لأوزانهم بشكل حاد وظهور علامات الهزال الوهن العام عليهم. يترافق ذلك مع حملة مسعورة لسحب كافة المقتنيات الشخصية، بما في ذلك الملابس الشتوية والفرشات والأغطية، مما يترك الأسرى فريسة للبرد القارس داخل الزنازين المكتظة التي تفتقر لأدنى معايير النظافة، وهو ما تسبب في انتشار واسع للأمراض الجلدية والمعدية.
وعلى الصعيد الصحي، تتبنى إدارة السجون سياسة "الإهمال الطبي المتعمد" كنهج ثابت لتصفية الأسرى جسدياً ببطء، من خلال حرمان المرضى والجرحى من الفحوصات الطبية أو العمليات الجراحية الضرورية، والامتناع عن تقديم الأدوية الأساسية. هذه الحالة من "الموت البطيء" تأتي في ظل عزل تام يفرضه الاحتلال على السجون، يشمل منع الزيارات العائلية وتقليص تواصل المحامين مع موكليهم، مما يجعل الأسرى في مواجهة مباشرة مع آلة القمع بعيداً عن أعين الرقابة الدولية، وسط مخاوف جدية من تحول هذه السجون إلى مراكز احتجاز تفتقر لأدنى المعايير الإنسانية والقانونية.
وتتمثل أبرز ملامح هذه الأوضاع الكارثية في ممارسة "التجويع الممنهج" عبر تقليص كميات الطعام بشكل حاد، وسحب المقتنيات الشخصية بما في ذلك الملابس الشتوية والأغطية، مما أدى لتفشي الأمراض الجلدية والمعدية بين الأسرى في ظل الاكتظاظ الشديد داخل الزنازين. كما تفرض مصلحة السجون عزلاً تاماً على المعتقلين عبر منع الزيارات العائلية، وتقييد عمل المحامين، وتكثيف عمليات القمع الجسدي والنفسي داخل غرف الاحتجاز.
تداعيات صحية وحقوقية
وعلى الصعيد الصحي، رفعت مؤسسات شؤون الأسرى والهيئات الحقوقية منسوب تحذيراتها إلى الدرجة القصوى، معلنةً عن وجود خطر حقيقي يتهدد حياة المئات من الجرحى والمرضى داخل السجون. وأكدت هذه المؤسسات أن انعدام الرعاية الطبية المتعمد، إلى جانب النقص الحاد في المياه الصالحة للاستخدام والنظافة الشخصية، خلق بيئة مأساوية تضاعف من آلام المصابين بأمراض مزمنة، وتدفع بالحالات المستقرة نحو حافة الموت. وتشدد هذه الهيئات على أن سلطات الاحتلال لم تكتفِ بالإهمال الطبي، بل استغلت الظروف الجوية القاسية والبرد القارس كأداة إضافية للتعذيب الجسدي والنفسي، عبر تجريد الأسرى من وسائل التدفئة والفرشات، مما يعد انتهاكاً صارخاً وصريحاً لمواد اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب.
وفي ظل هذا التدهور الرهيب، انطلقت نداءات دولية واسعة تطالب بضرورة التدخل الفوري لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، حيث طالبت المنظمات الحقوقية بفتح تحقيق دولي عاجل في ظروف الاحتجاز المأساوية. وتعود خلفية هذه الأزمة إلى تبني سلطات الاحتلال نهجاً "انتقامياً" شاملاً يهدف إلى فرض واقع جديد داخل السجون، يرتكز على سحق الحقوق المكتسبة للأسرى التي حققوها عبر نضالات طويلة. وتؤكد القراءات التحليلية للمشهد أن ما يحدث ليس مجرد إجراءات أمنية عابرة، بل هو قرار سياسي يرمي إلى تحويل مراكز الاعتقال إلى أدوات للتنكيل والضغط، مما وضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمصداقية قوانينه الإنسانية وقدرته على لجم هذه الانتهاكات التي تجري بعيداً عن أعين الرقابة الأممية.
ومن ناحيتها تواصل الهيئات الحقوقية توجيه نداءات استغاثة عاجلة إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات الأممية لكسر حالة الصمت الدولي والتدخل الفوري لزيارة السجون. وتأتي هذه التطورات في سياق إجراءات انتقامية واسعة النطاق بدأها الاحتلال مؤخراً ضد الأسرى، بهدف كسر إرادتهم وفرض واقع أمني جديد يتجاوز كافة الأعراف الدولية، وسط انعدام تام لأي رقابة قانونية على مراكز التحقيق والاعتقال.