كشفت شهادات مروعة لنازحات فارّات من مناطق النزاع في السودان عن فظائع إنسانية غير مسبوقة، حيث أكدت أمهات سودانيات مقتل أبنائهن أمام أعينهن برصاص مباشر أو قصف عشوائي أثناء محاولتهن الهروب من مناطق القتال. وتجسد هذه الشهادات "رحلة الموت" التي يقطعها آلاف المدنيين بحثاً عن الأمان، في ظل تصاعد وتيرة الانتهاكات التي تستهدف الفارين من جحيم المواجهات العسكرية.
وتشير الروايات الميدانية إلى أن رحلة النزوح لم تعد مجرد هروب من منطقة إلى أخرى، بل تحولت إلى مواجهة مباشرة مع الموت؛ إذ تتعرض الحافلات وقوافل النازحين لعمليات توقيف وتفتيش دقيقة، يتخللها في كثير من الأحيان تصفيات جسدية لشباب وأطفال أمام ذويهم. وتصف النازحات تلك اللحظات بأنها "جرح لا يندمل"، حيث يُجبرن على مواصلة المسير وترك جثث ذويهن خلفهن تحت وطأة التهديد والسعي لإنقاذ من تبقى من أفراد الأسرة.
وفي سياق متصل، تواجه الفارات من مناطق القتال ظروفاً قاسية تتجاوز الصدمات النفسية إلى غياب أدنى مقومات الحياة من ماء وغذاء ودواء خلال الرحلة التي قد تستغرق أياماً في طرق وعرة وغير آمنة. وتؤكد التقارير الحقوقية أن استهداف المدنيين أثناء النزوح يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، وسط مطالبات دولية بفتح ممرات آمنة للمدنيين وحمايتهم من الاستهداف العرقي أو السياسي الذي يمارسه المسلحون على الطرقات الرابطة بين الولايات.
وتظل صرخات الأمهات اللواتي فقدن فلذات أكبادهن في "طرقات الموت" شاهدة على المأساة السودانية المتفاقمة، حيث تزداد أعداد الأسر المشتتة والمكلومة مع كل يوم تستمر فيه الحرب. ومع غياب آفاق الحل السياسي القريب، يبدو أن رحلات الهروب ستظل محفوفة بالمخاطر، لتسجل في ذاكرة السودانيين فصلاً مأساوياً من فقدان الأبناء وضياع الأمن، في رحلة تبدأ بالخوف وتنتهي بمآسٍ لا تمحوها سنوات اللجوء.