توقف مراقبون ومحللون استراتيجيون أمام "التوقيت الرمزي" الذي اختارته تل أبيب لشن هجومها الواسع على العمق الإيراني، حيث تزامن بدء العمليات العسكرية مع احتفال إسرائيل بـ "عيد بوريم" (المساخر).
ويحمل هذا العيد في الوجدان اليهودي دلالات تاريخية عميقة ترتبط بـ"الخلاص من إبادة محققة" كانت تدبرها الإمبراطورية الفارسيّة القديمة لليهود، وفقاً للرواية الدينية؛ مما يعطي الهجوم صبغة "انتقامية تاريخية" تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية، ويوجه رسالة مباشرة للنظام في طهران بأن التاريخ "يعيد نفسه" في ذات الموعد.
وأوضحت القراءات السياسية أن اختيار هذا التوقيت لم يكن محض صدفة، بل هو جزء من "الحرب النفسية" التي تشنها إسرائيل لرفع معنويات جبهتها الداخلية عبر استدعاء الأساطير الدينية التي تتحدث عن النصر على "العدو الفارسي".
ويرى خبراء أن تل أبيب أرادت من خلال "ملحمة الغضب" تحويل يوم الاحتفال الديني إلى يوم "حسم ميداني"، لترسيخ صورة ذهنية مفادها أن إسرائيل قادرة على ضرب خصومها في قلب عواصمهم وفي أكثر أيامهم رمزية، تماماً كما تروي القصص التوراتية عن إحباط مؤامرات "هامان" في بلاد فارس قديماً.
وعلى الصعيد الاستراتيجي، عكس هذا التوقيت رغبة إسرائيلية-أريكية مشتركة في فرض واقع جيوسياسي جديد ينهي "التهديد الوجودي" الإيراني في لحظة مشحونة بالرموز الدينية، مما يعقد فرص الحلول الدبلوماسية ويحول الصراع إلى مواجهة "هوياتية" شاملة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه المنطقة حالة من الاستنفار القصوى، حيث اعتبرت طهران أن اختيار "عيد بوريم" لتنفيذ الهجمات هو استفزاز صارخ وإهانة للسيادة الوطنية، مما قد يدفعها للرد بأسلوب "توقيتي" مماثل، وهو ما يضع الشرق الأوسط أمام صراع لا تحكمه القوانين العسكرية فحسب، بل تحركه أيضاً الموروثات العقائدية والتاريخية.
يعود أصل "عيد بوريم" إلى رواية توراتية (سفر إستير) تدور أحداثها في قلب الإمبراطورية الفارسية القديمة، وتحديداً في مدينة "شوشان". وتروي القصة إحباط مؤامرة أطلقها "هامان"، الوزير الأول للملك الفارسي، لإبادة اليهود في المملكة. انتهت القصة بانتصار اليهود وصلب "هامان" وأبنائه العشرة؛ ومنذ ذلك الحين، يحتفل اليهود بهذا اليوم كرمز للنجاة من "المحرقة الفارسية الأولى".
ويرى محللون أن اختيار إسرائيل لهذا اليوم لضرب طهران هو استحضار متعمد لـ "نهاية هامان" وإسقاطها على القيادة الإيرانية الحالية.
وعلى الجانب الإيراني، قوبل هذا التوقيت بموجة من الغضب العارم وصفتها الدوائر السياسية في طهران بأنها "وقاحة تاريخية". واعتبرت وسائل الإعلام المقربة من الحرس الثوري أن اختيار "عيد بوريم" لتنفيذ هجمات "ملحمة الغضب" هو اعتراف إسرائيلي صريح بطبيعة الصراع الوجودي، ومحاولة "لإهانة الأمة الإيرانية" عبر ربط نظامها السياسي بـ "هامان المصلوب".
ويرى الإيرانيون أن هذا الاستفزاز الرمزي يمنحهم مشروعية دينية وقومية للرد بقسوة، محذرين من أن "شوشان" (إيران الحالية) لن تسقط هذه المرة، بل ستحول احتفالات "بوريم" إلى "مآتم" في تل أبيب.
وعلى الصعيد الاستراتيجي، يذهب خبراء "سيكولوجية الحروب" إلى أن إسرائيل تعمدت استخدام هذا "المفتاح الديني" لضرب الروح المعنوية للإنسان الإيراني، الذي يفتخر بإرثه الفارسي العظيم. فالهجوم في يوم "الخلاص من الفرس" يهدف إلى زرع الهزيمة النفسية قبل العسكرية، وإيهام الداخل الإيراني بأن "القدر التاريخي" يقف بجانب إسرائيل.
في المقابل، توعدت قيادات عسكرية إيرانية برد "خارج الصندوق" يكسر هذه الرمزية، مؤكدين أن مسيراتهم وصواريخهم ستكتب "سفراً جديداً" للتاريخ، حيث تكون اليد العليا فيه لطهران، مما يضع المنطقة أمام "حرب رموز" لا تقل ضراوة عن صراع الطائرات والصواريخ.