أثارت سلسلة من الحوادث الأمنية المتفرقة التي شهدتها عدة ولايات أميركية مؤخراً حالة من الاستنفار داخل الأجهزة الأمنية، حيث بدأت السلطات الأميركية بإعادة تقييم ملف "التهديدات الداخلية" في ظل اشتداد وتيرة الحرب الدائرة مع إيران. وتأتي هذه التطورات وسط قلق متزايد من أن يؤدي التصعيد الإقليمي إلى تحفيز خلايا نائمة أو عناصر متطرفة داخل العمق الأميركي للقيام بعمليات انتقامية، مما وضع وزارة الأمن الداخلي ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) في حالة تأهب قصوى لتعقب أي أنشطة مشبوهة.
وتشير التقديرات الأمنية إلى أن طبيعة التهديدات الحالية باتت أكثر تعقيداً، حيث لم تعد محصورة في التنظيمات التقليدية، بل امتدت لتشمل "التهديدات الموجهة" عبر الفضاء السيبراني أو التحريض الرقمي الذي يستهدف زعزعة الاستقرار الداخلي. وفي هذا السياق، كثفت السلطات من مراقبة البنية التحتية الحيوية، والمراكز المدنية، والمنشآت التي قد تكون عرضة لهجمات منخفضة التكلفة وعالية التأثير، وهو أسلوب يرجح المسؤولون أن إيران أو وكلاءها قد يلجأون إليه كرد فعل على الخسائر العسكرية التي يتكبدونها في مسرح العمليات بالشرق الأوسط.
من جانبهم، يرى خبراء أمنيون أن هذه "الهجمات المتفرقة" قد تكون اختباراً للقدرة على الصمود الأمني الداخلي، محذرين من أن استمرار الغارات المكثفة ضد إيران قد يدفع الأطراف المتضررة لمحاولة نقل المعركة إلى الداخل الأميركي كنوع من "حرب الاستنزاف" النفسية. وقد أشار عدد من المسؤولين في الكونغرس إلى ضرورة تعزيز التنسيق بين أجهزة الاستخبارات المحلية والولائية لضمان تتبع العناصر التي قد تكون تواصلت مع شبكات خارجية، خاصة بعد ورود تحذيرات عن رصد تحركات مريبة لجهات مرتبطة بالحرس الثوري في بعض المناطق.
وفي الوقت الذي يشدد فيه البيت الأبيض على ضرورة الحذر دون إثارة الهلع، بات ملف "الأمن الداخلي" يتصدر أجندة الإدارة الأميركية، حيث يُنظر إليه الآن كجبهة رديفة للجبهة العسكرية في الشرق الأوسط. ومع تصاعد دعوات المسؤولين الأميركيين لليقظة، يظل التساؤل الملحّ حول قدرة الأجهزة الأمنية على التصدي لسيناريوهات "الذئاب المنفردة" التي قد تستغل حالة الاستقطاب السياسي والاجتماعي القائمة، وهو ما قد يجعل الأشهر المقبلة مرحلة اختبار حقيقية لمرونة الأمن القومي الأميركي.