يعيش المسجد الأقصى المبارك واحدة من أخطر محطاته التاريخية، حيث تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي إغلاقه لليوم الرابع عشر على التوالي، حارمةً مئات الآلاف من المصلين من أداء الصلوات، وتحديداً في العشر الأواخر من شهر رمضان. ويأتي هذا الإغلاق، الذي بدأ بالتزامن مع انطلاق العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير الماضي بذريعة "حالة الطوارئ"، ليثير تحذيرات واسعة من خبراء ومقدسيين حول محاولة الاحتلال فرض واقع جديد ينهي السيادة الإسلامية على المسجد.
إلغاء "الوضع القائم" (الستاتيكو):
يرى الباحثون أن هذا الإغلاق المطول يمثل نسفاً لقواعد "الوضع التاريخي القائم" (الستاتيكو) المعمول به منذ العهد العثماني، والذي يمنح دائرة الأوقاف الإسلامية (التابعة للأردن) الحق الحصري في إدارة شؤون المسجد. ويعتبر الخبراء أن الاحتلال يسعى من خلال هذه الخطوة إلى تكريس نفسه كصاحب السيادة الوحيد والمرجعية النهائية لإدارة الأقصى، متجاوزاً الدور الأردني التاريخي المكفول دولياً.
أهداف الاحتلال والتحريض اليميني:
يشير المحللون إلى أن استمرار الإغلاق يخدم أجندات الأحزاب اليمينية المتطرفة في إسرائيل، التي تستغل حالة "الطوارئ" لتثبيت معالم السيادة اليهودية داخل الباحات. ويحذر مدير مركز القدس للدراسات الإسرائيلية من أن هذه الإجراءات "المتدحرجة" قد تمهد الطريق لخطوات أكثر خطورة، مثل اقتطاع مساحات من المسجد لإقامة كنيس يهودي، وصولاً إلى التهديدات المباشرة التي قد تطال قبة الصخرة، مستغلة حالة الترهل الدولي والإقليمي والانشغال بالحرب مع إيران.
انعكاسات الحرب الإقليمية:
ألقى الصراع المشتعل مع إيران بظلاله الثقيلة على القدس؛ إذ استغلت سلطات الاحتلال حالة الاستنفار العسكري لفرض قيود غير مسبوقة وتفريغ المسجد الأقصى من المصلين في "الجمعة اليتيمة" من رمضان. ويعتبر مراقبون أن هذا الإغلاق هو بمثابة "اختبار لمواقف الأمة العربية والإسلامية"، حيث يراقب الاحتلال ردود الأفعال الرسمية والشعبية تجاه المساس بأقدس المقدسات في ظل انشغال العواصم الكبرى بتبعات المواجهة العسكرية المباشرة في الخليج والشرق الأوسط.