تتجه العمليات العسكرية الإسرائيلية نحو تنفيذ استراتيجية ميدانية تهدف إلى السيطرة الكاملة على المنطقة الممتدة من الحدود الشمالية وصولاً إلى مجرى نهر الليطاني، مع العمل على إفراغها تماماً من السكان اللبنانيين. ووفقاً للمعطيات الميدانية والتحركات الأخيرة للجيش الإسرائيلي، فإن المخطط يسعى لتحويل هذه الرقعة الجغرافية الواسعة إلى "منطقة محرمة" خالية من الوجود المدني والعسكري لحزب الله على حد سواء، لضمان حزام أمني دائم يحمي المستوطنات الشمالية من أي تهديدات مستقبلية.
وفي سبيل تحقيق هذا الهدف، كثف الجيش الإسرائيلي من استخدام سياسة "الأرض المحروقة" عبر تدمير منهجي وممنهج للقرى والبلدات الجنوبية، بالتزامن مع دفع تعزيزات برية ضخمة شملت انضمام الفرقة "162" للعمليات القتالية. وتهدف هذه التحركات إلى تعميق التوغل البري وتطهير شبكات الأنفاق والمخازن العسكرية، مستغلة الغطاء الجوي المكثف الذي يستهدف كافة سبل الحياة والتحرك في المنطقة الواقعة جنوب النهر.
وعلى الصعيد اللوجستي، عمدت القوات الإسرائيلية إلى تدمير جميع الجسور والمعابر الحيوية فوق نهر الليطاني، في خطوة تهدف إلى تقطيع أوصال الجنوب وعزله جغرافياً عن بقية الأراضي اللبنانية. هذا الإجراء العسكري لم يكتفِ بعرقلة تحركات مقاتلي حزب الله فحسب، بل أدى إلى محاصرة المدنيين الباقين ودفع مئات الآلاف منهم للنزوح القسري نحو الشمال، مما يعزز فرضية التغيير الديموغرافي والجغرافي الذي تسعى تل أبيب لفرضه كأمر واقع.
وتأتي هذه التطورات وسط تصريحات رسمية إسرائيلية تلوح بتطبيق "نموذج رفح" في جنوب لبنان، مما يشير إلى أن سقف العمليات العسكرية تجاوز فكرة الردع المؤقت إلى إحداث تحول استراتيجي جذري. ويرى مراقبون أن إصرار إسرائيل على إفراغ هذه المنطقة يعكس نية مبيتة لإعادة رسم حدود التماس والسيطرة الميدانية المباشرة، وهو ما يضع الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي أمام تحديات إنسانية وسيادية غير مسبوقة في ظل استمرار الحرب الشاملة.