يواجه المجلس العسكري الحاكم في مالي أزمة أمنية هي الأكثر حدة منذ توليه السلطة، وذلك في أعقاب سلسلة من الهجمات المنسقة والمكثفة التي شنتها "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" (المرتبطة بتنظيم القاعدة) بالتحالف مع مقاتلي الطوارق من "جبهة تحرير أزواد" يوم السبت 4 يوليو 2026. هذه الهجمات، التي امتدت من شمال البلاد إلى جنوبها، كشفت عن تراجع ملموس في قدرة النظام على السيطرة، وأظهرت وصول الضغوط العسكرية إلى معاقله الحصينة، بما في ذلك بلدة "كاتي" التي تضم أهم الحاميات العسكرية الداعمة للسلطة، مما جعل باماكو تبدو أكثر عزلة من أي وقت مضى.
وتضمنت العمليات الميدانية تطورات استراتيجية لافتة، أبرزها إعلان "جبهة تحرير أزواد" سيطرتها الكاملة على مدينة "النفيس" الاستراتيجية في منطقة كيدال، حيث لا تزال قوات روسية تابعة لـ"فيلق إفريقيا" (فاغنر سابقاً) محاصرة داخل ثكناتها، لتصبح بذلك مدينتا "النفيس" و"أغيلهوك" آخر معاقل تواجد الجيش في تلك المنطقة المضطربة. وبالتوازي مع ذلك، اتسعت رقعة المواجهات لتشمل مدناً محورية مثل "غاو" و"سيفاري"، ولم تقتصر على المناطق الحدودية، بل وصلت إلى عمق البلاد عبر استهداف أحد أكبر السجون الواقع على بعد 70 كيلومتراً فقط من العاصمة باماكو، مما يعكس جرأة المهاجمين وقدرتهم على اختراق المنظومة الأمنية المركزية.
ويجمع الخبراء والمراقبون على أن هذه الاستراتيجية المنسقة تهدف إلى استنزاف الجيش المالي وحلفائه الروس عبر إشغالهم في جبهات متباعدة ومتزامنة. وفي ظل هذه التطورات، تبرز حالة من "الوهم السياسي" لدى السلطات التي تحاول التحصن في باماكو وبعض الجيوب الاستراتيجية، بينما تشير التقارير إلى أن هذا الوضع لم يعد قابلاً للاستمرار على المدى الطويل، خاصة مع استمرار التحديات الاقتصادية والحصارات المتكررة التي تفرضها الجماعات المسلحة على العاصمة، والتي تؤثر بشكل مباشر على إمدادات الوقود والحياة اليومية للمواطنين، مما يضع مستقبل الاستقرار السياسي في مالي أمام منعطف بالغ الخطورة.