في خطوة تصعيدية تعمّق الانقسام المؤسسي والسياسي في البلاد، أصدر رئيس الوزراء في الحكومة الموازية بالسودان، محمد حسن التعايشي، قراراً صارماً يحظر التصرف بأي شكل في الأصول والممتلكات الحكومية، سواء عبر البيع أو التأجير أو التغيير. وجاء هذا القرار، وفقاً لبيان رسمي نشرته "حكومة السلام" الموالية لقوات الدعم السريع عبر صفحتها الرسمية على موقع "فيسبوك"، استناداً إلى قرار سابق بتشكيل لجنة حصر واستلام الأصول والممتلكات الحكومية، وما تضطلع به من مهام تتعلق بالتوثيق والحماية وتأمين الأوضاع والمحافظة على ممتلكات الدولة.
ونص القرار بوضوح على أن جميع الوزارات والوحدات الحكومية والمؤسسات والهيئات والإدارات المدنية، إلى جانب أي جهة حكومية أخرى، ملزمة التزاماً تاماً بمنع التصرف في أي من الأصول أو المقار والممتلكات الرسمية. كما حظر التعايشي إجراء أي تعديل أو تغيير أو نقل في حيازة أو وضع تلك الأصول والمقار، مستثنياً من ذلك ما يتم بموجب قرار أو توجيه صادر عن الجهة المختصة ووفقاً للقوانين واللوائح النافذة. ويمثل هذا التوجه محاولة واضحة لفرض سيطرة أمر واقع على البنى التحتية والمؤسسات المالية والعقارية التابعة للدولة في المناطق الخاضعة لنفوذ قوات الدعم السريع.
ولم يقتصر القرار على حظر التصرف فحسب، بل ألزم كافة الجهات الحكومية بالمحافظة على الأصول والمقار الواقعة تحت حيازتها أو إشرافها، وعدم اتخاذ أي خطوة من شأنها التأثير على أعمال لجنة الحصر والاستلام أو عرقلة مهامها. وشدد البيان على ضرورة تمكين اللجنة واللجان الفرعية المنبثقة عنها من أداء واجباتها كاملة، وتوفير كافة السجلات والمستندات والبيانات ذات الصلة بالأصول والممتلكات، فضلاً عن تقديم التعاون التام والمطلق لتسهيل عملها الميداني والإداري.
ويعكس هذا التطور عمق المأزق السياسي والعسكري المعقد الذي يمر به السودان في ظل وجود سلطتين متنازعتين تديران شؤون البلاد؛ فمن جهة، تقف حكومة رئيس الوزراء كامل إدريس المدعومة من الجيش والتي تتخذ من مدينة بورتسودان عاصمة مؤقتة، ومن جهة أخرى، تعمل حكومة "السلام" الموازية برئاسة محمد حسن التعايشي من إقليم دارفور الذي تخضع مساحات واسعة منه لسيطرة قوات الدعم السريع. ويُنذر هذا الصراع المؤسسي الموازي بتكريس قطيعة إدارية ومؤسسية واسعة النطاق، تزيد من تعقيد أي تسوية مستقبلية وتفتح الباب أمام نزاعات قانونية ومالية طويلة الأمد حول شرعية ومصير مقدرات الدولة السودانية.
وتأتي هذه التطورات الميدانية والسياسية في وقت يواصل فيه السودان دفع فاتورة باهظة جراء الحرب المدمرة المشتعلة بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ منتصف أبريل 2023. فقد أسفر النزاع الدامي حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن تسعة وخمسين ألف شخص، وتشريد ونزوح نحو ثلاثة عشر مليون مواطن، فضلاً عن دفع أجزاء واسعة من البلاد إلى حافة المجاعة، في وقت تتجاوز فيه أعداد المحتاجين إلى مساعدات إنسانية عاجلة حاجز الثلاثين مليون نسمة، وسط تحذيرات متصاعدة من انهيار تام لما تبقى من مقومات الدولة والبنية التحتية الأساسية.