ads
ads

المصالحة السعودية الإيرانية تواجه اختبارا صعبا (تحليل)

باب المندب
باب المندب

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على توقيع الاتفاق السعودي-الإيراني برعاية صينية، تقف المصالحة بين الرياض وطهران أمام واحد من أصعب اختباراتها حتى الآن. تتصاعد الاتهامات لإيران بدعم أذرعها المسلحة في اليمن والعراق، والتي استهدفت السعودية مؤخراً. ويزيد تحرك الحوثيين باتجاه مضيق باب المندب من التهديدات لأمن المملكة وحركة الملاحة في البحر الأحمر، مما يضع مستقبل الاتفاق المبرم في بكين على المحك.

وقد أفادت وكالة الصحافة الفرنسية، نقلاً عن مصدرين عسكريين تابعين للحوثيين، بأن خبراء من «الحرس الثوري» الإيراني أجروا زيارات ميدانية إلى منطقة باب المندب وميناء ومطار المخا ومعسكر جبل النار شرق المدينة. وأشرف هؤلاء الخبراء على عمليات حفر أنفاق في التلال الجبلية المطلة على المخا ومضيق باب المندب، فضلاً عن مناقشة إمكانية تركيب رادارات قرب المخا وداخل جزيرة زقر في جنوب البحر الأحمر، في خطوة تعكس تعزيز النفوذ العسكري في تلك المنطقة الحيوية.

ويرى محللون سياسيون أن هذه التطورات لا تختبر التزام طهران بتعهداتها فحسب، بل تضع مصداقية الدور الصيني تحت المجهر؛ إذ أن المسألة لم تعد تقتصر على استمرار العلاقات الدبلوماسية بين السعودية إيران، بل تمتد لتشمل قدرة الاتفاق على كبح مصادر التهديد غير المباشر، ومنع توظيف الجماعات المسلحة كأدوات ضغط على دول المنطقة.

ويوضح الدكتور عبد العزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، أن اتفاق بكين الموقع في مارس 2023 استند إلى ثلاثة محاور أساسية: استعادة العلاقات الدبلوماسية، إعادة تفعيل اتفاقيات التعاون الثنائي، واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. ويؤكد بن صقر أن التحرك الإيراني عبر الحوثيين قرب باب المندب يمثل خرقاً فاضحاً لروح الاتفاق، مشيراً إلى أن التعهدات يجب ألا تقتصر على الممارسات الإيرانية المباشرة، بل تشمل أيضاً سلوك الجماعات المرتبطة بـ«الحرس الثوري».

ويعزز الدكتور خالد الهباس هذا الطرح بتأكيده أن سياسة الميليشيات تُعد إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي. ويضع الهباس التحركات الحوثية الأخيرة ضمن سياق الضغوط المتزايدة على طهران، ومحاولتها فتح ساحات ضغط بديلة قد تتيح لها تهديد الملاحة ورفع أسعار الطاقة وإرباك سلاسل الإمداد العالمية. ويشدد الهباس على أن حماية الملاحة مسؤولية دولية، وأن السعودية تحتفظ بحقها في الدفاع عن نفسها ومطالبة إيران بالالتزام ببنود الاتفاق.

أما الدكتور سمير صالحة، أستاذ القانون والعلاقات الدولية، فيرى أننا قد تجاوزنا مرحلة اختبار التفاهمات، معتبراً أن الجانب الإيراني خرج عن روح الاتفاق وبدأ ينتهج سياسة إقليمية مغايرة لما تعهد به. ويشير صالحة إلى أن التهديدات قد تبدو حوثية في العلن، لكنها في جوهرها إيرانية، مما يعكس أولوية إيرانية لم تتغير رغم استعادة العلاقات الدبلوماسية مع الرياض.

ويجمع المحللون على أن بكين تواجه موقفاً صعباً وحرجاً؛ فبينما تملك أدوات تأثير واسعة على إيران، فإنها مطالبة بالانتقال من دور الراعي الرمزي للاتفاق إلى دور أكثر حسماً في مراقبة تنفيذه وكبح جماح الأذرع الإيرانية. ورغم أن الصين تميل عادة إلى الدبلوماسية وعدم التدخل المباشر، إلا أن استمرار هذه التحركات قد يهدد مصالحها الأوسع في المنطقة، مما يضعها أمام ضرورة اتخاذ موقف أكثر وضوحاً وحسماً لضمان استقرار هذا الاتفاق التاريخي.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً