ads
ads

رائد صلاح ومنصور عباس.. كيف تعيد انتخابات إسرائيل فتح الصراع بين تياري الحركة الإسلامية؟

رائد صلاح
رائد صلاح
كتب : أهل مصر

أعادت الانتخابات البرلمانية التي شهدتها إسرائيل أمس، الثلاثاء 27 أكتوبر، فتح النقاش بشأن موقع الأحزاب العربية في معادلة الحكم، وحدود قدرتها على تحويل أصوات ناخبيها إلى نفوذ سياسي. فمع استمرار فرز الأصوات، وعدم حسم أغلبية واضحة لأي من المعسكرين الرئيسيين، تتجه الأنظار إلى مفاوضات التحالفات، حيث قد تصبح المقاعد العربية مؤثرة في تحديد فرص تشكيل الحكومة المقبلة ، برغم عدم جدوى تأثيرها فى صناعة قرار داخلها كما يرى مراقبون .

وتدور المنافسة بين معسكر يقوده بنيامين نتنياهو، مستندًا إلى حلفائه من اليمين والأحزاب الدينية، ومعسكر معارض يتصدره غادي آيزنكوت، ويسعى إلى بناء أغلبية تنهي حكم نتنياهو ، وبين الطرفين، تواجه الأحزاب العربية مفارقة سياسية متجددة فى احتمال الحاجة إلى مقاعدها لتكوين أغلبية، في مقابل استمرار اعتراض قوى إسرائيلية على إشراكها في الحكم. وهذه الفجوة بين الوزن العددي والقبول السياسي تجعل نتائج الانتخابات بداية لاختبار النفوذ العربي، وليست نهايته.

داخل هذا المشهد، يبرز خلاف أقدم من الانتخابات الحالية، يتعلق بالطريقة التي ينبغي أن يدير بها الفلسطينيون في الداخل علاقتهم بالدولة الإسرائيلية ، فهل ينتزعون حقوقهم عبر الاندماج في العمل البرلماني والتأثير في الائتلافات، أم يمنحهم بناء قوة مجتمعية مستقلة قدرة أكبر على حماية هويتهم ومواجهة السياسات الإسرائيلية التى تستغل قوتهم العددية لحسم معركة الإنتخابات دون قبول بمشاركة حقيقية فى وضع سياسات الحكومة؟

وبين الاندماج في العمل السياسي داخل الكنيست ورفض المشاركة فيه، تبلور تياران داخل الحركة الإسلامية، يجسّد الشيخ رائد صلاح ومنصور عباس اليوم اختلافهما في فهم العلاقة بين الحقوق المدنية والانتماء الوطني وحدود التسوية السياسية.

من الجذور المشتركة إلى انقسام الطريق

نشأت الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني مطلع السبعينيات على يد الشيخ عبد الله نمر درويش، وبنت حضورها تدريجيًا من خلال الدعوة والتربية والعمل الاجتماعي والمؤسسات الأهلية ، كما هو الحال داخل جميع المجتمعات العربية للتيارات الإسلامية ، وقد أتاح لها هذا الامتداد الاقتراب من احتياجات المجتمع العربي، والجمع بين المرجعية الإسلامية والنشاط العام.

لكن توسع الحضور المجتمعي طرح سؤال إمكانية الانتقال إلى المؤسسات السياسية الإسرائيلية ، والإندماج فى الحكومات .

وفي عام 1996، تحول الخلاف بشأن خوض انتخابات الكنيست إلى انقسام تنظيمي ، فاتجه الجناح المعروف بالجنوبي إلى المشاركة البرلمانية، بينما رفض الجناح الشمالي هذا المسار.

ومن الجناح الجنوبي تشكلت القاعدة التنظيمية للقائمة العربية الموحدة، التي يقودها منصور عباس ، أما رائد صلاح فأصبح أبرز رموز الجناح الشمالي، الذي حظرته السلطات الإسرائيلية عام 2015. وهكذا، جاءت الانتخابات لتفصل بين تصورين للعمل السياسي داخل حركة ذات جذور دينية واجتماعية مشتركة.

من هما رائد صلاح ومنصور عباس؟

ينتمي رائد صلاح إلى جيل رسّخ حضور الحركة الإسلامية في المجتمع والمؤسسات المحلية. وُلد في أم الفحم عام 1958، ودرس العلوم الإسلامية، وانتُخب رئيسًا لبلدية مدينته عام 1989، وظل في المنصب حتى استقالته عام 2001. وتكشف هذه التجربة جانبًا مهمًا من موقفه ، فرفض المشاركة في الكنيست لا يعني رفض الانتخابات والعمل المؤسسي على إطلاقهما ، فقد مارس صلاح العمل الشعبى ، بينما اتخذ موقفًا مختلفًا من المؤسسة التشريعية الإسرائيلية.

أما منصور عباس، المولود عام 1974، فهو طبيب أسنان وسياسي من الجناح الجنوبي للحركة الإسلامية، دخل الكنيست عام 2019، وتولى قيادة القائمة العربية الموحدة، وارتبط اسمه بتطوير نهج المشاركة، من الحصول على تمثيل برلماني إلى السعي للشراكة في صناعة القرار الحكومي.

الفارق بين الرجلين، إذن، يتجاوز اختلاف الأسلوب أو الجيل ، فهو يتعلق بالموقع الذي يستطيع منه المجتمع العربي التأثير ، فصلاح يعطي الأولوية لبناء قوته الذاتية واستقلال قراره، بينما يراهن عباس على تحويل حضوره الانتخابي إلى قدرة تفاوضية داخل مؤسسات الدولة.

الاختلاف الأيديولوجي.. كيف تُفهم العلاقة بإسرائيل؟

يمكن قراءة موقف التيار الذي يمثله صلاح بوصفه تصورًا يربط المرجعية الإسلامية بالانتماء الوطني الفلسطيني، ويخشى أن تقود المشاركة في الكنيست إلى إعادة تعريف مطالب الفلسطينيين وفق الحدود التي تقبل بها المؤسسة الإسرائيلية.

وفي هذا التصور، تصبح المشكلة في الشروط السياسية المصاحبة للحصول على الحقوق ، إذ قد يتحول تحسين الخدمات إلى بديل عن المطالبة بالمساواة والحقوق الوطنية، وقد يصبح الحفاظ على موقع داخل الائتلاف سببًا لتقييد الاعتراض على سياساته. وقد عبّر صلاح قبيل الانتخابات عن رفض اختزال قضايا الداخل في المكاسب الخدمية، ودعا إلى تعزيز العمل الشعبي والمؤسسات المستقلة.

أما نهج عباس فينطلق من التعامل مع المواطنة بوصفها مجالًا يمكن استخدام أدواته لتحسين أوضاع المجتمع العربي. ومن منظور هذا التيار، ومن الواقع على الأرض ، فإن المشاركة من وجهه نظره ، تتيح انتزاع موارد وتعديل سياسات ومواجهة مشكلات لا يمكن تأجيلها، مثل الجريمة والسكن والتمييز في الخدمات.

ويستند هذا الاتجاه إلى مرجعية إسلامية تتبنى التدرج والموازنة بين الأهداف والإمكانات ، ومع ذلك، لا ينبغي مساواة كل مواقف عباس بمواقف الجناح الجنوبي بأكمله، فقد رصدت دراسة لمعهد الشرق الأوسط اختلافات داخله بشأن بعض تصريحاته، خصوصًا ما يتعلق بتوصيف الطابع اليهودي للدولة.

ومن هنا، يمكن صياغة الخلاف بصورة أكثر تحديدًا ، يرى اتجاه صلاح أن حماية استقلال الموقف الوطني شرط لانتزاع الحقوق، بينما يعطي نهج عباس الأولوية لاستخدام الفرص السياسية المتاحة، على أمل أن يؤدي تراكم المكاسب إلى تحسين موقع المواطنين العرب وقدرتهم على التأثير.

عام 2021.. حين انتقل الخلاف إلى المشاركة في الحكم

أخذ هذا التباين بُعدًا عمليًا أكثر وضوحًا عام 2021، عندما انضمت القائمة الموحدة إلى الائتلاف الحكومي الذي قاده نفتالي بينيت ويائير لابيد ، فقد تجاوزت الخطوة حدود دخول البرلمان، ووضعت حزبًا ذا مرجعية إسلامية داخل اتفاق لإدارة الحكومة الإسرائيلية.

بالنسبة إلى نهج عباس، أتاحت هشاشة التوازن بين المعسكرات فرصة لتحويل عدد محدود من المقاعد إلى وزن تفاوضي. غير أن الشراكة حملت معها معضلة أخرى ، كيف يحافظ الحزب على تأثيره الحكومي، وفي الوقت نفسه يعترض على سياسات تمس الفلسطينيين؟

وظهر هذا التوتر عندما علقت «راعم» مشاركتها في الائتلاف خلال رمضان عام 2022، على خلفية أحداث المسجد الأقصى، ثم قررت الاستمرار فيه.

وقد كشفت التجربة أن التأثير من الداخل يرتبط باختبار متكرر لحدود التسوية، وأن المشاركة لا تُنهي التناقض بين الالتزامات الحكومية ومطالب الجمهور الذي يمثل الحزب مصالحه.

انتخابات 2026.. توسيع التحالف أم تغيير طبيعة المشروع؟

في الانتخابات الحالية، ذهب عباس خطوة إضافية بضم يوآف سيغالوفيتش، المسؤول السابق في الشرطة الإسرائيلية، إلى الموقع الثاني في القائمة الموحدة. وبرّر هذه الخطوة، في مقابلة مع «قنطرة»، بالحاجة إلى التعاون بين العرب واليهود ومواجهة العنصرية، والاستفادة من خبرة سيغالوفيتش في مكافحة الجريمة المنظمة.

وتسمح هذه الخطوة بقراءة أوسع لمسار القائمة ، فالشراكة مع شخصيات يهودية لم تعد مقصورة على التفاوض بعد الانتخابات، وإنما أصبحت جزءًا من تشكيل العرض الانتخابي نفسه.

سياسيًا، قد يساعد ذلك عباس على تقديم حزبه بوصفه شريكًا محتملًا في الحكم، وتوسيع دوائر التعاون حول ملفات محددة. لكنه يضعه أيضًا أمام سؤال يتعلق بحدود هذا التحول ، وهل يقبل أنصاره بالوسيلة المتجددة دوماً فى الوصول للهدف ؟ ، إلى أي مدى يستطيع توسيع شراكاته مع الحفاظ على ثقة قاعدته وعلى وضوح التزاماته تجاه القضايا الوطنية الفلسطينية؟

هذا السؤال لا تجيب عنه هوية المرشحين وحدها، بل تجيب عنه طبيعة الاتفاقات التي تعقدها القائمة، وما تستطيع تنفيذه، والمواقف التي تتخذها عندما تتعارض أولويات شركائها مع مطالب ناخبيها.

المقاعد العربية.. ضرورة حسابية تواجه عوائق سياسية

مع استمرار الفرز، تظل أرقام المقاعد قابلة للتغير، لكن المؤشرات المتاحة حتى 28 أكتوبر أظهرت استمرار صعوبة وصول أي من المعسكرين الرئيسيين منفردًا إلى أغلبية الـ61 مقعدًا، بما يعزز أهمية الأحزاب العربية في حسابات تشكيل الحكومة.

وهنا تتضح نقطة الضعف الأساسية في الرهان على التحالفات ، فامتلاك أصوات يحتاج إليها الآخرون لا يضمن استعدادهم للاعتراف بأصحابها شركاء في الحكم.

فقد تقبل قوة سياسية الاستفادة من الدعم العربي لتجاوز مأزق برلماني، مع استمرار تحفظها على المشاركة العربية في اتخاذ القرار لاحقاً.

وبذلك، يصبح الاختبار الأعمق لمشروع عباس هو قدرته على تحويل الحاجة المؤقتة إلى مقاعده إلى علاقة سياسية أقل عرضة للاستبعاد.

أما استمرار رفض الشراكة، رغم الحاجة العددية إليها، فيوفر أساسًا لانتقاد يقول إن سقف التأثير داخل المؤسسات يظل محكومًا بإرادة القوى الإسرائيلية الأكبر.

العمل خارج الكنيست يواجه اختبارًا أيضًا

في المقابل، فإن انتقاد المشاركة البرلمانية لا يحسم تلقائيًا فاعلية البديل. فالتيار الرافض للرهان على الكنيست يواجه بدوره سؤالًا عمليًا ، كيف تتحول الاستقلالية السياسية والحضور المجتمعي إلى قدرة على وقف الهدم، ومواجهة الجريمة، وحماية الأرض، وتحسين الخدمات؟

وقد طرح صلاح تعزيز لجنة المتابعة العليا، وتطوير المؤسسات الأهلية، وبناء تمويل مستقل للعمل العام. وهي خيارات تعكس اهتمامًا بامتلاك المجتمع أدواته التنظيمية والمالية.

لكن تقييم هذا المسار يحتاج إلى النظر في قدرته على الاستمرار والتنظيم والتأثير في القرارات، خصوصًا في ظل القيود التي يواجهها العمل الأهلي. فكما يُسأل أنصار المشاركة عن حصيلة المقاعد والائتلافات، يُسأل الرافضون لها عن حصيلة الأدوات البديلة وقدرتها على تلبية الاحتياجات العاجلة.

لماذا لا يُعد الاقتراع استفتاءً بين الرجلين؟

رغم وضوح التباين بين صلاح وعباس، فإن نتائج الانتخابات لا تصلح وحدها للحكم على شعبية كل منهما. فصلاح لا يقود قائمة تنافس «راعم» داخل الصندوق، كما أن الممتنعين عن التصويت لا يشكلون بالضرورة كتلة واحدة تتبنى موقفه.

وبالمثل، قد يصوّت ناخب لعباس بسبب برنامجه لمواجهة الجريمة أو رغبته في تغيير الحكومة، من دون أن يتبنى جميع خياراته الفكرية والسياسية. ولذلك، تقيس الانتخابات قوة القائمة وقدرتها على تعبئة الناخبين، لكنها لا تختزل اتجاهات المجتمع الفلسطيني في الداخل، ولا تمنح تفويضًا مفتوحًا لأي تسوية لاحقة.

ما بعد الانتخابات.. أين تُرسم حدود التأثير؟

تعيد الانتخابات الإسرائيلية طرح خلاف تأسس قبل ثلاثة عقود، لكنها تمنحه اليوم اختبارًا أكثر تحديدًا. فنهج عباس مطالب بإثبات أن المشاركة يمكن أن تنتج حقوقًا ومكاسب مستدامة، وأن الاقتراب من الحكم لا يتحول إلى قيد على تمثيل الجمهور. وفي المقابل، يحتاج الاتجاه الذي يمثله صلاح إلى إثبات أن الاستقلال عن الكنيست يمكن أن يقترن بأدوات ضغط فعالة ونتائج ملموسة.

وتظل المساحة الأهم بين الموقفين هي تلك التي يعيش فيها المواطن الفلسطيني داخل إسرائيل ؟ يريد أمنًا في بلدته، وبيتًا لا يتهدده الهدم، وخدمات عادلة، مع الحفاظ على هويته وحقوقه الوطنية.

لهذا، لن تُحسم المفاضلة بين النهجين بمجرد إعلان توزيع المقاعد. ستتحدد أيضًا بما يلي الانتخابات ، و بمن يُقبل شريكًا في القرار، وبالشروط التي تُفرض عليه، وبما يصل فعليًا إلى الناس من حقوق، وبما يُطلب منهم سياسيًا مقابلها.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً
عاجل
عاجل
الانتخابات الإسرائيلية.. معسكر نتنياهو يتقدم بـ53 مقعدًا و600 ألف صوت قد تغيّر النتائج