قبل يومين من انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، المقرر إجراؤها الثلاثاء 3 نوفمبر 2026، تتجه الأنظار إلى واشنطن لمتابعة معركة انتخابية تتجاوز حدود المنافسة بين الجمهوريين والديمقراطيين، إذ لا تتعلق باختيار رئيس جديد للولايات المتحدة، وإنما بتحديد الحزب الذي سيمتلك الأغلبية داخل الكونجرس، والقدرة على التأثير في القرارات والتوجهات الأمريكية خلال العامين المتبقيين من ولاية الرئيس دونالد ترامب.
وتكتسب الانتخابات أهمية خاصة بالنسبة لمصر، في ظل ارتباط عدد من الملفات الاستراتيجية بالقاهرة بقرارات واشنطن، بداية من مستقبل العلاقات المصرية الأمريكية والتعاون الاستراتيجي، مرورًا بتطورات قطاع غزة والقضية الفلسطينية، وصولًا إلى الحرب مع إيران وأمن البحر الأحمر وقناة السويس.
وتكمن أهمية هذه المعركة في أن الرئيس الأمريكي ليس وحده صاحب القرار في واشنطن؛ فالكونجرس يمتلك صلاحيات مؤثرة في التشريع والرقابة ومراجعة أداء الإدارة الأمريكية، وهو ما يجعل تغير الأغلبية داخله عاملًا مهمًا في حسابات السياسة الأمريكية تجاه مصر والمنطقة.
انتخابات الكونجرس 2026.. معركة على 435 مقعدًا في مجلس النواب
تشمل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعدًا، إلى جانب 35 مقعدًا في مجلس الشيوخ، بحسب ما أوردته وكالة رويترز في تغطيتها لانتخابات 3 نوفمبر 2026.
وتأتي الانتخابات في وقت يمتلك فيه الجمهوريون أغلبية ضيقة في المجلسين، بواقع 218 مقعدًا مقابل 214 للديمقراطيين في مجلس النواب، و53 مقابل 47 في مجلس الشيوخ.
ووفقًا لتحليل نشرته 'رويترز' يوم 25 أكتوبر الماضي، يحتاج الديمقراطيون إلى تحقيق مكاسب انتخابية لانتزاع الأغلبية، بينما تبدو المنافسة على مجلس الشيوخ أكثر تعقيدًا، ما يفتح الباب أمام احتمال انقسام السيطرة على المجلسين بين الحزبين.
وتكتسب النتائج أهمية إضافية بالنسبة لترامب، إذ إن خسارة الجمهوريين الأغلبية في أحد المجلسين أو كليهما قد تضع إدارته أمام رقابة برلمانية أكثر صرامة، وتزيد صعوبة تمرير بعض التشريعات خلال العامين الأخيرين من ولايته.
لماذا تتابع مصر انتخابات الكونجرس الأمريكي؟
لا تنظر القاهرة إلى انتخابات الكونجرس باعتبارها شأنًا أمريكيًا داخليًا فقط، فالعلاقات المصرية الأمريكية ترتبط بملفات سياسية وأمنية واقتصادية وإقليمية، يتداخل فيها دور البيت الأبيض مع صلاحيات المؤسسة التشريعية.
وفي هذا السياق، يوضح تقرير خدمة أبحاث الكونجرس الأمريكي (CRS)، الصادر في 25 فبراير 2026 بعنوان «مصر: الخلفية والعلاقات مع الولايات المتحدة»، أن مصر تمثل أهمية استراتيجية للمصالح الأمريكية، بالنظر إلى موقعها الجغرافي، ودورها الإقليمي، وسيطرتها على قناة السويس، فضلًا عن علاقاتها الأمنية والاستراتيجية مع واشنطن.
ويشير التقرير إلى أن مصر تؤدي دورًا مهمًا في دعم الاستقرار الإقليمي، والحفاظ على معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية الموقعة عام 1979، فضلًا عن دورها في التعامل مع الأزمات الإقليمية والتنسيق بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك.
ومن هنا، فإن أي تغيير في تركيبة الكونجرس قد ينعكس على طبيعة النقاشات الأمريكية المتعلقة بالقاهرة، خاصة أن المشرعين يمتلكون أدوات مؤثرة في توجيه السياسة العامة ومراقبة أداء الإدارة الأمريكية.
غزة والقضية الفلسطينية.. ملف يضع مصر في قلب الحسابات الأمريكية
وتحتل تطورات قطاع غزة والقضية الفلسطينية موقعًا متقدمًا في حسابات العلاقات المصرية الأمريكية، خاصة في ظل الدور المصري في الوساطة بين الأطراف، وجهود التهدئة، والتعامل مع الملفات الإنسانية والأمنية المرتبطة بالقطاع.
ووفقًا لتقرير خدمة أبحاث الكونجرس الأمريكي، شاركت مصر في جهود الوساطة بين إسرائيل وحماس، كما استضافت قمة شرم الشيخ للسلام في أكتوبر 2025، التي شهدت توقيع إعلان يؤيد اتفاق وقف إطلاق النار بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس عبد الفتاح السيسي وعدد من قادة العالم.
وأشار التقرير إلى الدور المصري في مناقشة ترتيبات مستقبل قطاع غزة، بما يشمل الإدارة المدنية والأمنية، وإعادة فتح معبر رفح، وتدريب عناصر الشرطة الفلسطينية.
وهنا تبرز أهمية توجهات الكونجرس الجديد، إذ يمكن أن تؤثر الأغلبية المسيطرة على اللجان المختصة في طبيعة النقاشات المتعلقة بالسياسة الأمريكية تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والمساعدات الإنسانية، والضغوط السياسية المرتبطة بمستقبل القطاع.
وبالنسبة للقاهرة، تظل أهمية هذا الملف مرتبطة باستمرار التنسيق مع واشنطن بشأن التهدئة، ومستقبل ترتيبات إدارة غزة، ومنع اتساع نطاق الصراع في المنطقة.
إيران والبحر الأحمر.. كيف ترتبط الانتخابات بأمن المنطقة؟
لا تتوقف الملفات التي تهم مصر عند القضية الفلسطينية، وإنما تمتد إلى التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، وعلى رأسها الملف الإيراني وأمن الملاحة في البحر الأحمر.
وأوضح تقرير خدمة أبحاث الكونجرس الأمريكي أن موقع مصر الجغرافي وسيطرتها على قناة السويس يمثلان أهمية استراتيجية للولايات المتحدة، باعتبار القناة ممرًا حيويًا يربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر، ويساعد في تسهيل حركة التجارة والتحركات العسكرية بين مناطق مختلفة.
وأشار التقرير إلى أن التوترات المرتبطة بإيران والحوثيين في اليمن أثرت في حركة الملاحة عبر قناة السويس، بعدما دفعت الهجمات على السفن التجارية شركات شحن إلى تغيير مساراتها، وهو ما انعكس على إيرادات القناة من العملة الأجنبية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية مع ارتباط القرارات الأمريكية المتعلقة بالإنفاق الدفاعي والعمليات العسكرية الخارجية بأمن الممرات البحرية والتوازنات الإقليمية.
ومن هنا، فإن نتائج انتخابات الكونجرس قد تؤثر في النقاشات المتعلقة بالسياسة الأمريكية تجاه إيران، وتمويل العمليات العسكرية، وأولويات الأمن الإقليمي، دون أن يعني ذلك أن تغير الأغلبية سيؤدي وحده إلى تغيير السياسة الأمريكية تجاه المنطقة.
ترامب ليس وحده صاحب القرار.. ماذا يستطيع الكونجرس أن يفعل؟
ورغم أن الرئيس الأمريكي يمتلك صلاحيات واسعة في إدارة السياسة الخارجية والعلاقات الدبلوماسية وقيادة القوات المسلحة، فإن الكونجرس يحتفظ بأدوات دستورية تمنحه قدرة كبيرة على التأثير في القرارات الأمريكية.
وبحسب الدستور الأمريكي، يتولى الكونجرس سلطة التشريع وإقرار الإنفاق الحكومي، كما يمتلك حق ممارسة الرقابة على أداء الإدارة من خلال جلسات الاستماع والتحقيقات البرلمانية واستدعاء المسؤولين.
ويشارك مجلس الشيوخ كذلك في المصادقة على عدد من التعيينات الرئاسية المهمة، ومنها السفراء وكبار المسؤولين، إلى جانب دوره في الموافقة على المعاهدات الدولية.
وبحسب تحليل 'رويترز'، فإن فوز الديمقراطيين بمجلس النواب سيمنحهم القدرة على قيادة اللجان البرلمانية واستخدام أدوات التحقيق والاستدعاء لمراقبة إدارة ترامب. لكن ذلك لن يعني انتقال السلطة التنفيذية إلى الديمقراطيين، إذ سيظل ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، محتفظًا بصلاحياته الدستورية وحق الاعتراض على القوانين.
ماذا يتغير إذا تغيرت الأغلبية؟.. 3 سيناريوهات أمام مصر
وتتوقف انعكاسات انتخابات الكونجرس الأمريكي على طبيعة النتائج التي ستسفر عنها صناديق الاقتراع، ومدى قدرة الحزب الفائز على السيطرة على المجلسين أو أحدهما.
ويمكن قراءة المشهد من خلال ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول: استمرار الأغلبية الجمهورية
في حال احتفاظ الجمهوريين بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، سيواصل ترامب العمل مع كونجرس يسيطر عليه حزبه، بما يمنحه مساحة أكبر لتمرير التشريعات التي تحظى بتأييده، ويقلل من حدة الرقابة البرلمانية التي تواجهها إدارته.
وبالنسبة لمصر، قد يعني ذلك استمرار التعامل مع الملفات المشتركة في إطار التوجهات السياسية القائمة، مع بقاء التعاون الاستراتيجي والتنسيق الإقليمي ضمن أولويات العلاقة بين البلدين.
السيناريو الثاني: فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلس النواب
إذا تمكن الديمقراطيون من استعادة مجلس النواب، فسيحصلون على فرصة أكبر لقيادة اللجان البرلمانية، وفتح تحقيقات وجلسات استماع بشأن قرارات الإدارة الأمريكية.
وقد ينعكس ذلك على طبيعة النقاشات المتعلقة بالسياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، وتطورات غزة، والعلاقات مع الحلفاء والشركاء في المنطقة.
لكن السيطرة على مجلس النواب وحده لا تكفي لفرض تغييرات شاملة في السياسة الأمريكية، خاصة مع استمرار سيطرة الجمهوريين على مجلس الشيوخ واحتفاظ الرئيس بحق الاعتراض على القوانين.
السيناريو الثالث: فوز الديمقراطيين بأغلبية المجلسين
ويمثل هذا السيناريو تحولًا أكبر في موازين القوى داخل واشنطن، إذ يمنح الديمقراطيين قدرة أوسع على التأثير في الأجندة التشريعية والرقابية، ومراجعة سياسات الإدارة الأمريكية.
وقد يؤدي ذلك إلى زيادة التدقيق في توجهات واشنطن تجاه الشرق الأوسط، خاصة الملفات المرتبطة بغزة وإيران والعلاقات مع دول المنطقة.
ومع ذلك، لن يعني هذا السيناريو انتقال السلطة التنفيذية إلى الديمقراطيين، إذ سيظل ترامب رئيسًا للولايات المتحدة؛ ما يجعل أي تغييرات جوهرية مرتبطة بالتوازنات الدستورية والسياسية بين البيت الأبيض والكونجرس.
هل تؤثر انتخابات الكونجرس الأمريكي على الدولار والأسعار في مصر؟
ورغم أهمية انتخابات التجديد النصفي الأمريكية على المستوى السياسي والاقتصادي، فإن ربط نتائجها بارتفاع أو انخفاض الدولار في مصر أو تغير أسعار السلع والخدمات بشكل مباشر سيكون أمرًا غير دقيق.
فحركة الدولار والأسواق المالية ترتبط بمجموعة من العوامل، من بينها السياسة النقدية الأمريكية، وأسعار الفائدة، والتضخم، وحركة الاستثمارات العالمية، والتطورات الجيوسياسية وأسعار الطاقة.
كما أن أي انعكاسات اقتصادية محتملة لنتائج الانتخابات تحتاج إلى المرور عبر قرارات مالية وتشريعية وسياسات اقتصادية فعلية، وليس مجرد تغير الأغلبية الحزبية داخل الكونجرس.
انتخابات 3 نوفمبر.. معركة أمريكية بحسابات مصرية
في النهاية، لا تمثل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية مجرد منافسة بين الجمهوريين والديمقراطيين على مقاعد الكونجرس، وإنما اختبارًا لمدى قدرة الرئيس دونالد ترامب على مواصلة أجندته السياسية خلال العامين المتبقيين من ولايته، في ظل توازنات جديدة قد تفرضها نتائج الانتخابات.
وبالنسبة لمصر، تكمن أهمية هذه المعركة في أن عددًا من الملفات المرتبطة بمصالحها الاستراتيجية يمر عبر مؤسسات صنع القرار الأمريكي، بداية من العلاقات الثنائية والتعاون السياسي والأمني، مرورًا بغزة والقضية الفلسطينية، وصولًا إلى إيران وأمن البحر الأحمر.
ومن هنا، فإن متابعة القاهرة لانتخابات 3 نوفمبر لا تتعلق بهوية الحزب الفائز بقدر ما تتعلق بما ستفرزه النتائج من تغيرات في موازين القوى داخل واشنطن، وكيف ستنعكس هذه التغيرات على القرارات الأمريكية التي تمس مصالح مصر واستقرار المنطقة.