دخلت منطقة الشرق الوسط في مواجهة عسكرية مفتوحة وغير مسبوقة. فمع الضربات الأمريكية التي استهدفت طهران والرد الإيراني الذي طال قواعد أمريكية ومنشآت حيوية في دول خليجية، لم يعد الحديث عن توترات حدودية أو حروب بالوكالة، بل عن حرب شاملة تعيد تشكيل قواعد الاشتباك والمخاطر في أكثر مناطق العالم حساسية واستراتيجية.
هذا التصعيد يضع صناعة التأمين البحري، وتحديداً تأمين أخطار الحرب في بؤرة الأزمة.
بداية الأزمة الحالية
شكلت الضربة التي نفذتها الولايات المتحدة فجر السبت 28 فبراير 2026 نقطة تحول في منطقة الشرق الأوسط خاصة بعد أن جاء الرد الإيراني في غضون ساعات حيث أطلقت إيران عدداً من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة متسببة في وقوع خسائر في عدد من دول الخليج العربى.
ومع اشتداد وطأة الهجمات، أغلقت العديد من الدول العربية مجالها الجوي، مما أدى إلى حدوث اضطراب في حركة الطيران المدني، وعلق آلاف المسافرين في المطارات حول العالم.
إغلاق مضيق هرمز وأثر ذلك على الطاقة العالمية
في تطور استراتيجي هام أعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات المائية في العالم، أمام حركة الملاحة.
هذا القرار، الذي وصفته طهران بأنه ورقة ضغط قصوى، حول التصعيد العسكري إلى أزمة اقتصادية عالمية.
فالمضيق، الذي يمر عبره حوالي 20% من إمدادات النفط العالمية وما يصل إلى ربع إنتاج العالم من الغاز الطبيعي المسال، تحول إلى جبهة مواجهة مائية. وكان لهذا القرار تداعيات هامة والتي من أهمها ما يلى:
النتائج المباشرة على قطاع الشحن
1. ارتفاع تكاليف النقل: بدأت أسعار الشحن في الارتفاع بسبب زيادة الطلب على الناقلات المتبقية خارج المنطقة، وتكدس أسطول ضخم من السفن عند مدخل المضيق في انتظار تقييم الأخطار.
2. تعطل سلاسل الإمداد: أعلنت كبرى شركات الشحن العالمي، مثل ميرسك (Maersk)انسحابها الكامل من المنطقة، متجهة إلى طريق رأس الرجاء الصالح البديل حول أفريقيا، وهو ما يضيف أسابيع إضافية لرحلاتها ويكبّدها تكاليف تشغيل باهظة.
3. تعليق إنتاج الغاز القطري: في مفاجأة كبرى، أعلنت قطر للطاقة (QatarEnergy) تعليق إنتاج الغاز الطبيعي المسال بعد تعرض أحد منشآتها لهجوم بطائرة مسيرة. وبما أن قطر تُصدر 90% من غازها عبر مضيق هرمز، فإن هذا التعليق يشكل صدمة لا تقل أهمية عن أزمة الطاقة في 2022، وفقًا لتحليلات الخبراء.
تأثر سوق التأمين ما بين إلغاء وثائق تأمين الحرب وزيادة قياسية في الأقساط
مع تحول الخليج العربي ومضيق هرمز إلى منطقة عمليات عسكرية نشطة بدأت التطورات تتوالى بسرعة فيما يتعلق بالتأمين البحرى وخاصة تأمين أخطار الحرب:
1. إلغاء تغطية أخطار الحرب
في خطوة وصفت بأنها 'غير مسبوقة' بسبب توقيتها قام عدد من الهيئات والشركات بإرسال إشعارات إلغاء رسمية لمالكي السفن، منهية بذلك التغطية التأمينية لأخطار الحرب للسفن العابرة للخليج والمضيق ومنها على سبيل المثال:
شركة سكولد (Skuld) النرويجية للتأمين البحري: أعلنت شركة سكولد، عن إلغاء تغطية أخطار الحرب للسفن العاملة في الشرق الأوسط (إيران والخليج العربي والمياه المجاورة) اعتباراً من 5 مارس 2026، وقد قامت الشركة بإرسال إشعارات إلغاء التي تسري خلال 72 ساعة وذلك بسبب تصاعد حدة النزاعات الإقليمية.
الصندوق العربى لتأمين أخطار الحرب AWRIS: قرر الصندوق العربى لتأمين أخطار الحرب تعليق تغطية السفن العابرة في مناطق الخليج العربي ومضيقي هرمز وباب المندب، على خلفية التصعيد العسكري المتسارع. وقد أوضح الصندوق في الاشعار الذى قام بإرساله لأعضائه من الشركات أنه سيتم تفعيل التغطية مرة أخرى ولكن وفقاً للأسعار الجديدة التي سيتم تطبيقها والاتفاق عليها على أساس كل حالة على حدة.
2. ارتفاع أقساط التأمين بنسبة تتراوح بين 25% إلى 50%
توقع عدد من الخبراء ارتفاع أقساط التأمين للسفن العابرة في منطقة النزاع بنسبة تتراوح بين 25% إلى 50%.
3. خطر الاستيلاء على السفن والقرصنة
لم يعد الخطر مقتصر فقط على القصف المباشر للسفن؛ فقد أصبحت شركات التأمين تدرج الآن في حساباتها بعض الأخطار المتزايدة والتي تتمثل في قيام القوات الإيرانية بعمليات استيلاء واحتجاز للسفن، بحكم سيطرتها على المضيق.
كيف ينظر الخبراء والمحللين الدوليين لهذا الحدث
مؤسسة كينيديز (Kennedys Law Firm
قامت مؤسسة كينيديز (Kennedys Law Firm)، وهي مؤسسة محاماة دولية تقدم مجموعة واسعة من الخدمات القانونية المتخصصة لقطاعات صناعية عديدة تشمل التأمين وإعادة التأمين والطيران والنقل البحري والشحن والتجارة الدولية والنقل والخدمات اللوجستية، قامت المؤسسة بنشر دراسة تحليلية حول هذا الصراع المتنامي والذي تم وصفه بأنه يمثل احتمالاً لحدوث حدث نادر ومتعدد الجوانب لسوق التأمين وإعادة التأمين العالمي.
بحسب تقييم كينيديز، فإن الجمع بين العمل العسكري المستمر وتعطيل تدفقات الطاقة وعدم الاستقرار الإقليمي لفترة طويلة، يمكن أن يشكل تحدياً لعدد من التغطيات التأمينية مثل؛ العنف السياسي والتأمين البحري وتأمين الطيران، والتأمين الائتمان التجاري؛ وغيرها من أنواع التأمين الأخرى حيث أوضح التقرير ما يلى:
- تأمينات الممتلكات
وفقاً لما ورد بالتقارير الدولية فإن الأضرار التى لحقت بالأصول المدنية والتجارية على حد سواء، بما في ذلك المجمعات التجارية والفنادق والموانئ والمطارات والبنية التحتية للطاقة ومرافق الغاز الطبيعي المسال تشير إلى أن الممتلكات المؤمن عليها لاتزال عرضة للخطر.
- التأمين ضد العنف السياسى
تتوقع كينيديز حدوث تراكماً محتملاً لمطالبات التأمين ضد العنف السياسي المتعلقة بالخسائر المادية والأضرار التي تلحق بالأصول المملوكة للقطاع الخاص.
- التأمين البحرى
أشارت الدراسة إلى أن شركات التأمين البحري تواجه بالفعل أخطار متزايدة خاصة في ظل تصنيف مناطق مثل خليج عدن والخليج العربي كمناطق مستثناة بموجب العديد من وثائق التأمين البحرى؛ كما أن عدد من شركات التأمين وإعادة التأمين قد أصدرت إشعارات إلغاء لبعض التغطيات موضحةً أن استئناف التغطية سيكون بشروط مُعدّلة وبأقساط أعلى.
- تأمين فقد الإيراد
أشارت الدراسة إلى أنه في ظل احتجازات سابقة لسفن من قبل السلطات الإيرانية، ومع توقع المزيد من عمليات الاحتجاز ذات الدوافع السياسية خاصة في منطقة الخليج العربي، قد تنشأ مطالبات بموجب وثائق التأمين ضد فقد الإيراد.
- تأمين الطيران
أوضحت الدراسة بأن إغلاق المجال الجوي في عدد من الدول قد تسبب في توقف أساطيل كبيرة من الطائرات عن العمل. كما ورد أن النشاط الصاروخي قد أثر على البنية التحتية لعدد من المطارات مما يعرض الطائرات المتوقفة على الأرض للخطر، وهو ما يدفع شركات التأمين على الطيران في حالات الحرب إلى مراجعة أو تعديل التغطية التأمينية.
- تأمين الائتمان
قد يؤدي الارتفاع المستمر في أسعار النفط إلى ضغوط على النمو الاقتصادي وزيادة التضخم مما ينعكس سلباً على تأمين الائتمان؛ حيث تتوقع الدراسة زيادة في مطالبات الائتمان التجاري إذا ما أفلست الجهات المدينة أو إذا واجهت الدول المشترية، ولا سيما مستوردي الطاقة، صعوبات في السداد.
واختتمت مؤسسة كينيديز الدراسة مشيرة إلى أن هناك عدداً من الأخطار التي يمكن أن تصاحب هذا الحدث مثل حدوث تقلبات في أسعار الطاقة نتيجة لغلق مضيق هرمز والذي يمرّ من خلاله ما يقارب من 20% من شحنات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال العالمية، كما أن التأخير في رحلات السفن أو احتجازها قد يؤدى إلى انقطاع سلاسل الإمداد. بالإضافة إلى ذلك فإن أي هجوم ناجح على ناقلة نفط محملة قد يُرتب التزامات قانونية جسيمة تتعلق بالتلوث.
الاتحاد الدولى للتأمين البحرى IUMI
قام الاتحاد الدولى للتأمين البحرى بتنظيم جلسة نقاشية حول أحدث مستجدات الوضع في الخليج العربى ومضيق هرمز وأهم الاعتبارات المتعلقة بتقييم أخطار العبور في هذه المنطقة. وقد قام السادة المتحدثون في هذه الجلسة بإلقاء الضوء على النقاط التالية:
- يتم استهداف ناقلات البترول في الوقت الحالي، ولكن مع تصاعد الأحداث قد تمتد الهجمات لتشمل سفن الشحن باختلاف أنواعها مما قد يؤثر بشكل سلبي على حركة الملاحة.
- يعد التصريح الذي أصدره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بشأن تأمين السفن في منطقة الخليج على خلفية التصعيد العسكري مع إيران وإغلاق مضيق هرمز، خطوة هامة من شأنها تحسين الوضع الحالي لحركة الشحن؛ حيث أوضح أن مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية (DFC) ستقوم بتوفير تأمين ضد الأخطار السياسية وبسعر معقول جدًا، لجميع السفن التي تعبر عبر الخليج وسيكون هذا التأمين متاحاً لجميع خطوط الشحن. وأضاف انه إذا لزم الأمر، ستبدأ البحرية الأمريكية في مرافقة الناقلات عبر مضيق هرمز.
- مدى إمكانية اللجوء إلى الشحن البري للبضائع كبديل للنقل البحرى في الوقت الحالي وحتى انتهاء تلك الأزمة.
- تعد قناة السويس منطقة آمنة للعبور على الرغم من اعتبار بعض المناطق في البحر الأحمر غير آمنة، كما يجب التأكد من ان القناة قادرة على استيعاب السفن العملاقة وعلى استقبال عدد كبير من السفن في وقت واحد.
واختتمت الجلسة بالتأكيد على انه لا يمكن في الوقت الحالي التنبؤ بموعد انفراج هذه الأزمة خاصة وأن هناك قوى عظمى مثل روسيا والصين لم تعرب عن موقفها حتى الآن، وهو ما يمكن أن يحدث بعض التغيير في المشهد الحالي للأحداث.
التوقعات المستقبلية
السيناريوهات المتوقعة لأثر هذا الحدث على مستوى الشرق الأوسط:
• السيناريو الأول.. على المدى القصير (أيام إلى أسابيع): سيشهد العالم استمرار التقلبات الحادة في أسعار النفط والغاز، مع استمرار تعطل سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف الشحن. سوق التأمين سيشهد مزيدًا من التشدد في الشروط وارتفاع الأقساط.
• السيناريو الثاني.. على المدى المتوسط (شهور): إذا استمر إغلاق مضيق هرمز، ستضطر الشركات إلى إعادة هيكلة سلاسل إمدادها بالكامل، مع الاعتماد الدائم على طرق بديلة مثل طريق رأس الرجاء الصالح. هذا سيعيد تشكيل التجارة العالمية وسيرفع التكاليف اللوجستية بشكل دائم.
• السيناريو الثالث.. على المدى البعيد (سنوات): ستخرج منطقة الشرق الأوسط من هذه الأزمة بمنظومة أمنية وسياسية مختلفة جذرياً. كما ستخرج صناعة التأمين بتصنيفات جديدة للأخطار، وربما منتجات تأمينية مبتكرة تغطي تهديدات الحرب السيبرانية والطائرات المسيرة، التي أثبتت فعالية تدميرية هائلة.
السيناريوهات المتوقعة لأثر هذا الحدث على مصر:
أصدرت المؤسسة العالمية للخدمات المالية مورجان ستانلي دراسة حول أثر الحرب الأمريكية الإيرانية على مصر؛ وذكرت الدراسة عدة سيناريوهات لأثر هذا الحدث على الاقتصاد المصري؛ حيث تم بناء هذه السيناريوهات استناداً إلى عدد من العوامل مثل أسعار النفط وتدفقات الاستثمارات الأجنبية وإيرادات قناة السويس وأداء الجنيه أمام الدولار.
تتوقع الدراسة سيناريوهات مختلفة، تشمل احتمالية احتواء التوترات بسرعة أو استمرار الضغوط لفترة أطول، مع مراعاة العوامل الاقتصادية المؤثرة مثل الاحتياطي النقدي والتضخم والقدرة على جذب الاستثمارات
السيناريوهات الأربعة وتأثيرها:
السيناريو 1- وقف فوري لإطلاق النار وإعادة ضبط العلاقات الدبلوماسية: في مجال الائتمان، من المتوقع تضييق هامش الربح بمقدار 20-30 نقطة أساس واستمرار ترقيات التصنيف. وبالنسبة لسوق الصرف الأجنبي، من المتوقع انخفاضًا بنسبة 4-5% في سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الجنيه المصري نتيجة لتحسن الحساب الجاري.
السيناريو 2 - ضربة محدودة مع رد إيراني محصور: من المتوقع اتساع هامش الربح بمقدار 30-40 نقطة أساس في مجال الائتمان وارتفاعًا بنسبة 1-2% في سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الجنيه المصري، ولكن من المرجح أن تكون هذه الحركة قصيرة الأجل إذا ظل التصعيد محصوراً.
السيناريو 3 - ضربة أوسع نطاقاً: من المتوقع اتساع هامش الربح بمقدار 70-80 نقطة أساس وتسطيح منحنى العائد في مجال الائتمان وضعفًا بنسبة 3-4% في سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الجنيه المصري.
السيناريو 4 - ضربة أمريكية واسعة النطاق + رد إيراني مضاد: من المتوقع اتساع يزيد عن 250 نقطة أساس، وتسطيحاً حاداً لمنحنى الائتمان، وانخفاضاً بنسبة 8% في سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الجنيه المصري، حيث تطغى آثار تداعيات الأسواق الناشئة وتدفقات رؤوس الأموال الخارجة على الأساسيات.