كشفت البيانات الحديثة الصادرة عن البنك المركزي المصري عن تطورات نقدية ومالية هامة تتعلق بحركة الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين الحكومي، ومدى التزام الدولة بجدول سداد ديونها الخارجية، مما يعكس مرونة الاقتصاد المصري في التعامل مع التحديات الإقليمية والدولية بنهاية الربع الأول من عام 2026.
ففي سوق أدوات الدين، أظهرت بيانات البنك المركزي تراجعاً ملحوظاً في أرصدة العملاء الأجانب المستثمرة في أذون الخزانة المصرية بنهاية مارس 2026، لتصل إلى ما يعادل 1.969 تريليون جنيه، مقارنة بنحو 2.378 تريليون جنيه بنهاية فبراير من العام نفسه. ويعكس هذا الانخفاض، البالغ نحو 409.2 مليار جنيه، التبعات الاقتصادية وحالة التخوف السائدة في الأسواق الناشئة جراء اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية. ورغم هذا التراجع المفاجئ، نجح المستثمرون الأجانب في الحفاظ على صدارتهم كأبرز الجهات المستثمرة في هذه الأدوات، مستحوذين على حصة سوقية بلغت 33.4% من إجمالي الأرصدة القائمة، والتي سجلت نحو 5.904 تريليون جنيه بنهاية الربع الأول من العام الجاري.
وعلى الجانب الآخر، أتاح هذا التراجع في الاستثمارات الأجنبية فرصة مواتية للمؤسسات والقطاع المصرفي المحلي لتعزيز مساهماته؛ حيث أظهرت المؤشرات صعوداً مستمراً في محفظة البنوك المحلية المستثمرة في أذون الخزانة. وقادت البنوك الخاصة هذا النمو بارتفاع أرصدتها إلى 1.207 تريليون جنيه بنهاية مارس مقارنة بـ 1.180 تريليون جنيه في فبراير، تلتها بنوك القطاع العام بقفزة لافتة لتسجل استثماراتها 579.7 مليار جنيه مقابل 464.5 مليار جنيه في الشهر السابق، في حين ارتفعت أرصدة البنوك الأجنبية العاملة في مصر إلى 78.5 مليار جنيه. أما على صعيد الصناديق والهيئات الأخرى، فقد بلغت أرصدة بنك الاستثمار القومي نحو 47.6 مليار جنيه، بينما ارتفعت استثمارات صناديق التأمين إلى 294.7 مليار جنيه، وتراجعت أرصدة صناديق الاستثمار طفيفاً لتستقر عند 73.4 مليار جنيه.
وفي سياق متصل بملف الالتزامات الخارجية والدولية، أعلن البنك المركزي المصري عن التزام الدولة الصارم بجدول سداد مستحقاتها؛ حيث قامت مصر بسداد فوائد وأقساط ديون خارجية بقيمة إجمالية بلغت 15.995 مليار دولار خلال النصف الأول من العام المالي 2025/2026. وأوضح التقرير الدوري للبنك أن أعباء خدمة الدين المالي توزعت على فترتين؛ حيث سددت الدولة نحو 6.442 مليار دولار خلال الربع الأول من العام المالي، لترتفع المدفوعات خلال الربع الثاني وتسجل 9.553 مليار دولار، مما يبرهن على قدرة وملاءة الدولة المالية في الوفاء بتعهداتها في المواعيد المقررة.
وبالنظر إلى الهيكل التفصيلي لخدمة الدين المسددة، تبين أن الأقساط شكلت الكتلة الأكبر من المصروفات بإجمالي تخطى 12.2 مليار دولار، تضمنت سداد 4.363 مليار دولار في الربع الأول و7.877 مليار دولار في الربع الثاني. وفي المقابل، بلغت الفوائد المدفوعة خلال النصف الأول من العام المالي نحو 3.753 مليار دولار، بواقع 2.078 مليار دولار للربع الأول و1.675 مليار دولار للربع الثاني. وعلى مستوى المؤشرات الكلية للدين، سجل إجمالي الدين الخارجي لمصر نحو 163.9 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2025 مقارنة بـ 161.230 مليار دولار بنهاية يونيو 2025؛ إلا أن المؤشر الأكثر إيجابية تمثل في تراجع نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى 40.6% بنهاية ديسمبر الماضي، مقارنة بنحو 44.2% بنهاية يونيو من العام السابق، وهو ما يعكس تحسناً ملموساً في مستويات الاستدامة المالية للدولة.