وسط مرحلة اقتصادية تشهد تحولات متلاحقة، تبرز العديد من التساؤلات حول مستقبل الاقتصاد المصري، ومدى قدرته على الحفاظ على مكتسبات الاستقرار، ومواجهة الضغوط المرتبطة بالتضخم وسعر الصرف وتكلفة التمويل، بالتزامن مع مساعي الدولة لزيادة الإنتاج وجذب الاستثمارات وتعزيز موارد النقد الأجنبي.
و أجرت «أهل مصر» حوارًا مع أحمد ياسين، الخبير الاقتصادي، تناول خلاله أبرز الملفات الاقتصادية المطروحة، ورؤيته لتحركات سعر الصرف والتضخم وأسعار الفائدة، ومستقبل الاستثمار والصادرات، فضلًا عن توقعاته لمسار الاقتصاد المصري خلال المرحلة المقبلة.
هل الاقتصاد المصري تجاوز مرحلة الأزمة بالفعل، أم أن الاستقرار الحالي قابلًا للتأثر بأي صدمات خارجية؟
الاقتصاد المصري قطع شوطًا مهمًا في تجاوز مرحلة الضغوط الحادة، لكن من المبكر اعتبار أن جميع التحديات انتهت، المرحلة الحالية هي مرحلة ترسيخ الاستقرار وتحويله إلى نمو مستدام، وهو ما يتطلب زيادة موارد النقد الأجنبي، ورفع الإنتاج والصادرات، وتحسين كفاءة الإنفاق، وتعزيز دور القطاع الخاص، كما أن الاقتصاد المصري يظل متأثرًا بالتطورات العالمية، خاصة أسعار الطاقة والفائدة والتوترات الجيوسياسية.
متى يمكن أن يشعر المواطن بانعكاس تحسن المؤشرات الاقتصادية على الأسعار والدخل والقوة الشرائية؟
تحسن المؤشرات الكلية لا ينتقل إلى المواطن بشكل فوري، لأن هناك فترة زمنية بين استقرار سعر الصرف وانخفاض التضخم وبين انعكاس ذلك على تكلفة الإنتاج والأسعار والدخل، والمؤشر الأهم بالنسبة للمواطن ليس فقط انخفاض التضخم، وإنما زيادة الدخل الحقيقي مقارنة بمعدل ارتفاع الأسعار، لذلك فإن التحسن المستدام في القوة الشرائية يحتاج إلى نمو اقتصادي يخلق وظائف ويرفع الدخول، بالتوازي مع السيطرة على التضخم.
هل استقرار سعر صرف الجنيه أصبح هدفًا أكثر أهمية من مجرد خفض سعر الدولار؟
بالتأكيد، لأن الاقتصاد لا يحتاج بالضرورة إلى سعر صرف منخفض بقدر حاجته إلى سعر صرف مستقر ويمكن التنبؤ به، الاستقرار يساعد الشركات على وضع خططها الاستثمارية والتسعيرية، ويقلل مخاطر السوق، ويشجع المستثمرين، والأهم أن استقرار العملة يجب أن يكون مدعومًا بزيادة مستدامة في موارد النقد الأجنبي، وليس فقط بإجراءات مؤقتة.
إلى أي مدى لا يزال التضخم يمثل التحدي الأكبر أمام الاقتصاد المصري؟ وهل يمكن أن نشهد انخفاضًا فعليًا في الأسعار؟
التضخم لا يزال من أهم التحديات لأنه يمس المواطن بصورة مباشرة، لكن يجب التفريق بين انخفاض التضخم وانخفاض الأسعار؛ فعندما ينخفض معدل التضخم فهذا يعني أن الأسعار ترتفع بوتيرة أبطأ، وليس بالضرورة أنها تراجعت، انخفاض الأسعار بشكل مستدام يحتاج إلى تحسن الإنتاج والمعروض، وانخفاض تكاليف النقل والطاقة ومدخلات الإنتاج، واستقرار سعر الصرف.
مع ارتفاع تكلفة الاقتراض.. هل أسعار الفائدة الحالية أصبحت عائقًا أمام الاستثمار والإنتاج، ومتى يمكن أن تبدأ دورة خفض الفائدة؟
ارتفاع الفائدة يمثل بالفعل تحديًا أمام الشركات، خصوصًا المشروعات التي تعتمد بدرجة كبيرة على التمويل المصرفي، لكن قرار خفض الفائدة يجب أن يرتبط بمسار التضخم وتوقعاته، وليس فقط برغبة السوق في تمويل أرخص. كلما أصبح انخفاض التضخم أكثر استدامة واستقرت توقعات الأسعار، زادت مساحة خفض الفائدة تدريجيًا، وهو ما يمكن أن يدعم الاستثمار والإنتاج.
هل الاقتصاد المصري قادر على تقليل الاعتماد على التمويل الخارجي؟
هذا يجب أن يكون أحد الأهداف الرئيسية خلال السنوات المقبلة، التمويل الخارجي يمكن أن يكون مهمًا في فترات معينة، لكن الاقتصاد الأكثر قوة هو الذي يعتمد بصورة أكبر على موارد مستدامة من الإنتاج والتصدير والاستثمار والسياحة وتحويلات المصريين بالخارج، وكلما زادت قدرة الاقتصاد على توليد العملة الأجنبية من النشاط الحقيقي، انخفضت حاجته إلى الاقتراض الخارجي.
رغم الحوافز الحكومية.. لماذا لا يزال القطاع الخاص لا يتحرك بالسرعة المستهدفة؟
القطاع الخاص يحتاج إلى أكثر من الحوافز المالية يحتاج إلى بيئة أعمال مستقرة وقواعد واضحة ومنافسة عادلة وسرعة في إصدار التراخيص وتوفير الأراضي والتمويل، كما أن استقرار السياسات الاقتصادية مهم جدًا، لأن المستثمر لا ينظر فقط إلى الحافز الحالي، وإنما إلى قدرته على التنبؤ بتكاليف مشروعه وقواعد السوق لسنوات مقبلة.
هل تستطيع مصر تحقيق قفزة حقيقية في الصادرات وتقليل فاتورة الواردات؟
نعم، ولكن الأمر يحتاج إلى تحول من التركيز على تصدير المنتجات الأولية إلى تعميق التصنيع وزيادة القيمة المضافة المحلية، مصر لديها فرص كبيرة في الصناعات الغذائية والهندسية والكيماوية ومواد البناء والمنسوجات، إلى جانب الخدمات الرقمية، وزيادة الصادرات لن تعني فقط توفير الدولار، بل ستدعم الإنتاج والتوظيف والاستثمار في الوقت نفسه.
إذا نظرنا إلى الاقتصاد المصري في 2027.. ما السيناريو الأكثر ترجيحًا؟
السيناريو الإيجابي يتمثل في استمرار انخفاض التضخم، وتحسن موارد النقد الأجنبي، وزيادة الاستثمارات والصادرات، مع تراجع تدريجي في تكلفة التمويل، وهو ما يمكن أن يدعم نموًا أكثر استدامة، لكن الوصول إلى هذا السيناريو يتوقف على قدرة الاقتصاد على تحويل الاستقرار النقدي إلى نمو إنتاجي حقيقي، وعلى استمرار الإصلاحات وزيادة دور القطاع الخاص، لذلك فإن 2027 قد تكون سنة مهمة للحكم على مدى نجاح مصر في الانتقال من مرحلة احتواء الضغوط إلى مرحلة النمو المستدام.