تشهد العلاقات الاقتصادية بين مصر والمملكة العربية السعودية تحولا استراتيجيا يتجاوز المفهوم التقليدي للتبادل التجاري ليمتد إلى آفاق أوسع من التكامل الصناعي والانتاجي، مستندا الى رؤية السعودية 2030 ورؤية مصر 2030، وما يمتلكه البلدان من مزايا تنافسية متكاملة يمكن توظيفها لبناء شراكة اقتصادية أكثر عمقا وقدرة على المنافسة إقليميا ودوليا.
12.8 مليار دولار حجم التبادل التجاري بين مصر والسعودية
وقال الدكتور خالد الشافعي، رئيس مركز العاصمة للدراسات والأبحاث الاقتصادية في تصريح خاص لـ'فيتو': إن قوة العلاقات الاقتصادية بين القاهرة والرياض تنعكس في أرقام فعلية تؤكد رسوخ هذه الشراكة، حيث وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين الى نحو 12.8 مليار دولار في عام 2023، متجاوزا 32.5 مليار ريال سعودي في قطاعات التبادل غير النفطي، كما تجاوزت الاستثمارات السعودية في مصر حاجز 30 مليار دولار موزعة على اكثر من 7000 شركة سعودية تعمل في السوق المصري، في حين بلغت الاستثمارات المصرية في المملكة السعودية نحو 1.4 مليار دولار عبر أكثر من 3000 شركة، وهو ما يعكس وجود قاعدة استثمارية وتمويلية قوية يمكن البناء عليها لتحقيق تكامل الصناعي وانتاجي حقيقي بين البلدين.
وأضاف الشافعي إن المقومات التكاملية القائمة بين مصر والسعودية تفتح المجال أمام إقامة مشروعات إنتاجية مشتركة تتجاوز السوقين المحليين لتستهدف الأسواق العربية والأفريقية مستفيدة من الموقع الجغرافي للبلدين والقدرة الإنتاجية المتاحة، إلى جانب الفرصة التي توفرها اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية التي تضم اكثر من 1.3 مليار مستهلك؛ بما يمنح المنتجات المشتركة فرصة كبيرة للانتشار والنفاذ إلى أسواق جديدة، ويعزز قدرة القاهرة والرياض على تأسيس قاعدة إنتاجية إقليمية تنافسية.
الطاقة والغذاء والتكنولوجيا، محاور جديدة للتكامل
وأشار إلى أن قطاع الطاقة والطاقة المتجددة يمثل أحد أهم محاور التكامل بين البلدين خاصة مع مشروع الربط الكهربائي بين مصر والسعودية بقدرة 3000 ميجاوات بإجمالي استثمارات تصل الى 1.8 مليار دولار، والذي يمكن أن يشكل حجر الزاوية في دعم مشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر وتصنيع معدات ومكونات الطاقة محليا، ويتزامن ذلك مع استهداف السعودية الوصول إلى نسبة 50% من الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة بحلول 2030، بينما تستهدف مصر تشغيل 42% من طاقتها الكهربائية من مصادر متجددة بحلول 2035؛ بما يخلق فرصا واسعة أمام التصنيع المشترك وتوطين سلاسل الإمداد المرتبطة بالطاقة النظيفة.
أما عن قطاع الزراعة والصناعات الغذائية، يرى الدكتور خالد أن التعاون المصري السعودي يمثل فرصة لتعزيز الأمن الغذائي للمنطقة من خلال بناء سلاسل إمداد متكاملة قادرة على مواجهة الاضطرابات العالمية، وخاصة أن صادرات مصر من الصناعات الغذائية والمحاصيل الزراعية للسوق السعودي تجاوزت مليار دولار، كما يمتد التكامل في القطاع الصناعي والتكنولوجي من خلال الاستفادة المشتركة من المواد الخام، مثل الفوسفات والبتروكيماويات في صناعة الأسمدة ومواد البناء، بالتوازي مع النمو المتسارع في قطاع التكنولوجيا، حيث يتجاوز الإنفاق الرقمي في السعودية 34 مليار دولار سنويا، بينما ينمو قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في مصر بنسبة 15% سنويا.
وأكد رئيس مركز العاصمة للدراسات والأبحاث الاقتصادية، أن هذه المعطيات تضع مصر والسعودية أمام فرصة تاريخية لتأسيس تكتل صناعي وإنتاجي إقليمي يمتلك القدرة على جذب الاستثمارات وتوطين الصناعة وزيادة الصادرات، مستفيدا من التكامل في الموارد والخبرات والأصوات، ويمكن لهذا التكتل أن يستهدف سوقا يضم نحوه 450 مليون نسمة في الوطن العربي، إلى جانب الاستفادة من النفاذ التفضيلي الخالي من الجمارك لجميع أسواق القارة الإفريقية؛ بما يعزز مكانة البلدين كمركزين رئيسيين للإنتاج والتصدير، ويحول الشراكة الاقتصادية من مجرد تبادل تجاري إلى نموذج متكامل للتنمية والتصنيع المشترك.