تتجه السوق العقارية المصرية نحو مرحلة جديدة من إعادة تشكيل خريطة الاستثمار، مدفوعة بإعلانات عن مشروعات كبرى باستثمارات مستهدفة تصل إلى 11 تريليون جنيه، بالتوازي مع استمرار التحديات المرتبطة بسعر الصرف وتكلفة التمويل وارتفاع أسعار الوحدات.
وبين الرهان على الشراكة مع القطاع الخاص لتعظيم العائد من الأصول العقارية، وضغوط القدرة الشرائية على الطلب المحلي، تبرز تساؤلات حول قدرة السوق على تحويل الاستثمارات المعلنة إلى قيمة اقتصادية مستدامة، وانعكاساتها على التمويل العقاري والأسواق المالية.
11 تريليون جنيه.. استثمارات تعيد تشكيل الخريطة العمرانية
يمثل الإعلان عن أربعة مشروعات كبرى بالتعاون بين الدولة ومجموعة طلعت مصطفى أحد أبرز التطورات الاستثمارية في القطاع العقاري، إذ تستهدف المشروعات استثمارات إجمالية بنحو 11 تريليون جنيه، على مساحة تتجاوز 37 مليون متر مربع، وتشمل مناطق بشرق القاهرة والإسكندرية وأبوقير والساحل الشمالي.
وتتوزع الاستثمارات المستهدفة بين مشروع شمال مدينتي بنحو 3.2 تريليون جنيه، ومشروع الإسكندرية بنحو 1.7 تريليون جنيه، ومشروع أبوقير بنحو 5 تريليونات جنيه، إلى جانب مشروع ساحلي باستثمارات مستهدفة تبلغ 970 مليار جنيه، وفق البيانات المعلنة، وتعكس هذه المشروعات تحولا في نموذج التطوير العقاري من التركيز على الوحدات السكنية إلى إنشاء مجتمعات متكاملة تضم أنشطة تجارية وصناعية ولوجستية وسياحية، بما يوسع مصادر الإيرادات ويعزز فرص جذب الاستثمارات المرتبطة بالعقار.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أهمية الشراكة مع القطاع الخاص في تعظيم الاستفادة من أصول الدولة وتحقيق عوائد اقتصادية مستدامة. كما تستهدف المشروعات، وفق التقديرات المعلنة، توفير نحو 6 ملايين فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، إلى جانب حصيلة ضريبية متوقعة تبلغ 2.4 تريليون جنيه على مدار التنفيذ.
وتظل هذه الأرقام مستهدفات مستقبلية ترتبط بمراحل التنفيذ والتمويل والجدول الزمني، ولا تمثل استثمارات تم ضخها بالكامل بالفعل.
التمويل العقاري.. نمو القيمة واتساع فجوة القدرة الشرائية
بالتوازي مع المشروعات الكبرى، يواصل نشاط التمويل العقاري التوسع، إذ ارتفعت قيمة التمويلات من 10.42 مليار جنيه بنهاية 2023 إلى 25.47 مليار جنيه بنهاية 2024، ثم إلى 42.66 مليار جنيه بنهاية 2025، قبل أن تسجل 27.6 مليار جنيه خلال النصف الأول من 2026.
وكشف محمد الكحكي، رئيس مجلس إدارة الاتحاد المصري للتمويل العقاري، أن السوق مرشحة لتجاوز 50 مليار جنيه من التمويلات بنهاية 2026، في ضوء استمرار الطلب على أدوات التمويل.
لكن نمو القيمة التمويلية لا يعكس بالضرورة توسعا مماثلا في قاعدة العملاء، فقد ارتفع عدد المستفيدين من 89.2 ألف بنهاية 2023 إلى 115.26 ألف بنهاية 2025، بوتيرة أبطأ من نمو قيمة التمويلات، نتيجة ارتفاع أسعار الوحدات وزيادة متوسط التمويل المطلوب للشراء.
من جانبه، أكد أيمن عبدالحميد، خبير التمويل العقاري، أن قياس النمو الحقيقي للسوق يجب أن يأخذ في الاعتبار أعداد المستفيدين وأداء الشركات، وليس قيمة التمويلات وحدها، مشيرا إلى أن ارتفاع أسعار العقارات والفائدة والتضخم يفرض تحديات أمام توسيع قاعدة العملاء.
سعر الصرف وتكلفة التمويل.. محددات رئيسية للتسعير
تؤثر تحركات سعر الصرف في حسابات المطورين من خلال تكلفة بعض الخامات والمكونات المستوردة ومستلزمات التشغيل، إلا أن انعكاسها على أسعار العقارات يختلف وفقا لهيكل تكلفة كل مشروع، ومخزون الخامات، وشروط التعاقد، ومستوى الطلب.
كما تمثل أسعار الفائدة عاملا مؤثرا في قرارات الشراء والاستثمار؛ فارتفاع تكلفة الاقتراض يزيد الأعباء التمويلية على الشركات والعملاء، بينما قد يؤدي تراجعها مستقبلا إلى تحسين القدرة على الحصول على التمويل، إذا توافرت الظروف الاقتصادية الداعمة لذلك.
ومن ثم، فإن استدامة النمو العقاري تتطلب موازنة دقيقة بين تكلفة التطوير والسعر النهائي للوحدة، مع توسيع الاعتماد على التمويل العقاري وتطوير أدوات تتيح توزيع المخاطر بين البنوك والشركات والمطورين.
الأسواق المالية.. تنويع المحافظ بدلا من الرهان على أصل واحد
مع اتساع الاستثمارات العقارية، تبرز أهمية مقارنة العائد المتوقع من العقار بالبدائل الاستثمارية الأخرى، بما يشمل الأسهم والذهب وأدوات الدخل الثابت.
فالعقار قد يوفر دخلا إيجاريا وفرصة لنمو القيمة الرأسمالية، لكنه يتسم بانخفاض السيولة نسبيا وارتفاع تكاليف الدخول والتشغيل. أما الأسهم فتتيح المشاركة في نمو الشركات، لكنها تخضع لتقلبات السوق ونتائج الأعمال، بينما تتأثر أدوات الدخل الثابت بمسار أسعار الفائدة والتضخم.
لذلك، ينبغي تقييم الفرص وفقا للعائد الصافي بعد خصم التكاليف، والأفق الزمني للاستثمار، والقدرة على تحمل المخاطر، بدلا من الاعتماد على توقعات ارتفاع الأسعار وحدها.
من ضخامة الاستثمارات إلى جودة العائد
تضع الاستثمارات المستهدفة البالغة 11 تريليون جنيه السوق العقارية المصرية أمام فرصة لتوسيع قاعدة النشاط الاقتصادي، لكن نجاحها سيقاس بقدرة المشروعات على التنفيذ وتوليد الإيرادات وفرص العمل، وليس بقيمة الإعلانات الاستثمارية فقط، وسيظل مستقبل التمويل العقاري مرتبطا بقدرة السوق على التوفيق بين نمو التمويلات ودخول العملاء، وتطوير الأطر التنظيمية، وتحسين فرص الوصول إلى السكن، أما المستثمر، فستظل جودة المشروع ومتانة المطور والعائد الصافي والسيولة المتاحة عناصر حاسمة في تحديد القرار الاستثماري.