أكد الدكتور عمرو الورداني، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن كثيرًا من الناس لا يدركون أن معنى المشاركة في الفرح هو أصل أصّله النبي صلى الله عليه وسلم في وجدان الأمة، مشيرًا إلى أن النبي عندما قال: «نحن أولى بموسى منهم» لم يمنع أهل المناسبة من الفرح، بل شاركهم الفرح بنجاة سيدنا موسى عليه السلام، وتجلى ذلك عمليًا في صيام عاشوراء، باعتباره مشاركة وجدانية ومعنوية في الفرح، موضحًا أن هذا المعنى نفسه يتكرر حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن أولى بعيسى في الدنيا والآخرة»، فالمقصود هنا ليس نزع سيدنا عيسى من أتباعه، بل تأكيد الصلة الإيمانية والإنسانية به، وأن لنا علاقة به ومعنى مشتركًا معه.
وأوضح أمين الفتوى، خلال حلقة برنامج "مع الناس"، المذاع على قناة الناس اليوم الأربعاء، أن هذا الفهم يغيب عن ما وصفه بـ«التدين الكمي» القائم على الصراع لا على المحبة، وعلى الإقصاء لا على الرحمة، مؤكدًا أن هؤلاء لم يفهموا قوله تعالى: «وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين»، إذ يتصورون أن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم لا تشمل إلا المسلمين، بينما الحقيقة أن النبي كان رحمة للعالمين جميعًا، بل لكل الأكوان، رحمة للإنسان، وللنبات، وللجماد، وللبحار، وللمخلوقات كلها، وهو ما يجعل مشاركته للفرح الإنساني أمرًا أصيلًا في سنّته.
وأشار الدكتور عمرو الورداني إلى أن هذا المعنى يتجلى بوضوح في موقف النبي صلى الله عليه وسلم حين مرت أمامه جنازة فوقف لها، فلما قيل له إنها جنازة يهودية قال: «أليست نفسًا؟»، موضحًا أن هذا الموقف يرسّخ معنى الرحمة الشاملة واحترام الإنسان لكونه إنسانًا، ويؤكد أن النبي لم يكن يرى العالم بمنطق التصنيف والصدام، بل بمنطق الرحمة والكرامة الإنسانية.
وأضاف أن المشاركة في الفرح بميلاد السيد المسيح عليه السلام هي امتثال صريح لسنّة النبي صلى الله عليه وسلم، كما شارك من قبل في الفرح بنجاة سيدنا موسى، مؤكدًا أن قول النبي: «نحن أولى بعيسى» يعني أولى بالمحبة، وأولى بالمشاركة، وأولى بالفرح، لا أولى بالمنع أو التحريم أو إفساد فرحة الآخرين، مشددًا على أن النبي لم يعلّم الأمة أن تمنع الناس من الفرح، بل علّمها أن تشاركهم أفراحهم.
وتابع أمين الفتوى موضحًا أن دخول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كان شاهدًا عمليًا على هذا الفهم، إذ وجد اليهود يمارسون شعائرهم ويفرحون بمناسباتهم، فلم يمنعهم، بل أسس لرحمة جامعة من خلال وثيقة المدينة التي قررت مبدأ المواطنة بوضوح: «لهم ما لنا وعليهم ما علينا»، وهو مبدأ يعني أن الوطن يجمع الجميع في الفرح قبل أي شيء آخر.
واختتم الدكتور عمرو الورداني بالتأكيد على أن المشاركة في الفرح معنى أصيل من معاني الاستجابة لسنّة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن محاولات تسميم هذه المشاركة أو تصويرها كخروج عن الدين هي في حقيقتها خروج عن روح الرحمة التي جاء بها الإسلام، مشددًا على أن الفرح المشترك هو أحد أعمدة التعايش، وأن الوطن لا يقوم إلا حين نفرح معًا، كما علّمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.