أطلق المحامي والسياسي خالد علي، صرخة على الأسوار، بعد الواقعة المأساوية التي شهدتها محافظة دمياط أمس الخميس، 2 أبريل، حيث وقف عم ماهر ع. ح. ع.، 64 سنة، مقيم بالزعاترة مركز الزرقا، ويعمل سائقًا، حيث قام بشنق نفسه بسور المركز الطبى بغيط النصارى فى السابعة صباحًا، فى عدم وجود مارة بالشارع بدمياط.
وقال خالد علي في منشور على صفحته الشخصية على 'فيسبوك': 'لستُ مهتمًا بقصة رجل الأعمال الذى اقترض أربعين مليار جنيه، ولا ببيانات البنوك، ولا بتحالفات المانحين، ولا بأسعار الفائدة التى ستُحسب على الورق ثم تُرحَّل إلى أعناق الناس فى الواقع. فبعد أكثر من عشرين عامًا قضيتها فى المحاكم أدافع عن المال العام، وأفتح ملفات بيع أراضى الدولة وخصخصة شركات القطاع العام، تعلمت أن المشكلة ليست فى رجل أعمال يرتدى بدلة أنيقة، بل فى سلطةٍ تصنع له البدلة، وتلمع حذاءه، وتفتح له الأبواب المغلقة'.
رجال الأعمال يتسارعون على نهش المال العام
وتابع: 'تسابق رجال الأعمال على نهش المال العام ليس ظاهرة نادرة، بل محطة طبيعية فى كل المجتمعات ما دامت هناك سلطة تحب أن تحيط نفسها بالبلهونات، تحركهم بخيوط خفية، تفتح لهم العين الحمراء بعض الوقت إذا لزم الأمر، وتغلقها سريعًا طالما عادوا أدراجهم، تمنحهم العطايا والمناصب والسلطة حين يطيعون، وتحميهم حين تتكشف العورات'.
وأوضح: 'عندما نذهب إلى المحاكم ونفضح كل الفساد الذى شاب عمليات التفريط فى المال العام، لدرجة تجعل القاضى يكتب فى حكمه (أن هذه الحيثيات بلاغ لكل الجهات الرقابية)، لا يكون الرد تحقيقًا شفافًا، بل قانونًا جديدًا يغلق الأبواب، ويُسكت الأصوات، ويمنع المواطن العادى (الذى ليس طرفًا من المتعاقدين) من الطعن على عقود الدولة إلا إذا صدر حكم جنائى نهائى'.
وقال: 'ثم يُفتح باب آخر فى الوقت ذاته، باب واسع للتصالح على هذه الجرائم فى أى مرحلة من مراحل الدعوى الجنائية، حتى لو كانت القضية قد أضحت أمام محكمة النقض، بابًا يمر منه المتهمون فى جرائم المال العام كما يمر الهواء فى الصحراء'.
وأكد السياسي المصري: 'لهذا كله، لم أجد نفسى منجذبًا لما يُثار حول الأربعين مليار جنيه. ليس لأن الحدث بلا قيمة، لكن لأمرين:
الأمر الأول: أننى شهدت نهاية مثل هذه الأحداث ألف مرة.
الأمر الثانى: أن الحدث الأبرز فى حياتنا هو الحقيقة التى لم تُروَ فى قاعة بنك، بل على سور القومسيون الطبى الذى يقف أمامه الفقراء.
هناك فى دمياط، يوم الخميس الموافق ٢ أبريل ٢٠٢٦، وقف عم ماهر ع. ح. ع.، 64 سنة، مقيم بالزعاترة مركز الزرقا، ويعمل سائقًا، حيث قام بشنق نفسه بسور المركز الطبى بغيط النصارى فى السابعة صباحًا، فى عدم وجود مارة بالشارع بدمياط'.
وأشار خال علي قائلًا: 'أفنى عمره ممسكًا بعجلة القيادة، يقود الناس إلى أعمالهم، وإلى بيوتهم، وإلى أحلامهم الصغيرة... حادثٌ واحد كسر ساقه، فكسرت معه مهنته... وقف أمام القومسيون الطبى، لا يطلب امتيازًا، ولا قرضًا، ولا قطعة أرض، بل يطلب فقط اعترافًا بعجزٍ واضح، ومعاشًا صغيرًا يُبقيه حيًا.... لكنه لم يحصل على المعاش، فأضحى بلا عمل ولا معاش ولا مصدر دخل، فكيف يعيش؟ .... فأجاب الرجل، لا بكلمات، بل بحبل'.
وقال المحامي: 'لم يمت فى صمت داخل بيته، ولم يُلقِ نفسه فى طريقٍ مزدحم، بل اختار أن يشنق نفسه على سور القومسيون الطبى، كأنما أراد أن يعلّق السؤال ذاته على الحديد: كم يساوى الإنسان فى ميزان القوانين؟
السلطة التى تسمح بإقراض مليارات لرجل واحد، هى ذاتها التى عجزت عن منح معاش لرجل لا يملك سوى ساقٍ مكسورة وعمرٍ أنهكه الجهاد من أجل لقمة العيش... السلطة التى تجيد توقيع العقود الكبرى، عجزت عن توقيع ورقة رحمة صغيرة.... والقوانين التى تُفصَّل بدقة لحماية الاستثمارات، تُترك فضفاضة حين يتعلق الأمر بحماية الفقراء'.
ليست المأساة فى انتحار رجل واحد
وتابع: 'ليست المأساة فى انتحار رجل واحد، بل فى أن موته لم يعد استثناءً صادمًا، بل صار صرخة يمكن أن تتكرر فى أى وقت، وعلى أى سور.
كم من مواطنٍ يقف الآن على حافة اليأس ذاتها؟ كم من شيخٍ خذلته الأوراق؟ وكم من أمٍ تنتظر قرارًا لا يأتى؟
وأكد: 'نحن لا نعيش أزمة أموال، فالمليارات كثيرة كما نرى ونسمع، بل نعيش أزمة ميزانٍ يميل حين يُوزَن الذهب الفالصو، ويختل حين يُوزَن الإنسان'.
واختتم خالد لي بيانه قائلًا: 'امنحوا رجال الأعمال ما شئتم من امتيازات، قسّموا عليهم الأراضى والمدن والمصانع، افتحوا لهم الطرق السريعة إلى الثروة والسلطة، لكن تذكروا أن تحت هذه الطرق بشرًا يمشون حفاة... يمكنكم أن تدهسوا الفقراء بأقدام القرارات، لكن تذكروا أنكم، فى النهاية، تحتاجونهم ليعملوا فى مصانعكم، وليحرسوا بواباتكم، وليقفوا فى الصفوف الأولى حين تشتعل الحروب'.
وأكد: 'الرجل الذى علّق نفسه على السور لم يكن يبحث عن الموت، بل عن حياة لم يجدها. كان يطلب مكانًا فى هذا الوطن، فلم يجد سوى حبلٍ يربطه بالعدم. كان الحبل له أصدق من القانون، وكان السور له أعدل من المؤسسات، وكان انتحاره رسالةً أعلى صوتًا من أى خطاب رسمى، وصرخة تحذر من مخاطر اليأس التى تحاوط الطبقات الوسطى والفقيرة'.