لم تعد عمليات الاحتيال العاطفي تقتصر على العلاقات الوهمية التي يديرها محتالون عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات التعارف، بل دخل الذكاء الاصطناعي على خط الخداع، مانحًا هذه الممارسات قدرة أكبر على الإقناع والتأثير في الضحايا. فمن خلال الصور المزيفة، والرسائل المصممة بعناية، وتقنيات تقليد الأصوات وإنشاء الشخصيات الافتراضية، أصبح من الممكن بناء علاقة عاطفية تبدو حقيقية، بينما تخفي وراءها مخططًا للاستيلاء على الأموال.
وتكمن خطورة هذا النوع من الاحتيال في استهدافه المشاعر الإنسانية قبل استهداف الحسابات المصرفية، إذ يبدأ غالبًا بالتقرب العاطفي وبناء الثقة، ثم يتحول تدريجيًا إلى طلبات مالية تحت ذرائع مختلفة، مثل مواجهة أزمة صحية، أو دفع تكاليف السفر، أو تجاوز مشكلة طارئة، وصولًا إلى إقناع الضحية بتحويل الأموال إلى استثمارات وهمية.
من علاقة افتراضية إلى فخ مالي
تبدأ القصة عادة برسالة إعجاب أو محادثة عابرة عبر منصة اجتماعية أو تطبيق للتعارف، ثم تتطور العلاقة بسرعة من خلال رسائل متكررة واهتمام مبالغ فيه، بما يمنح الضحية شعورًا بوجود شخص يفهمه ويشاركه اهتماماته.
وهنا تظهر إحدى قدرات الذكاء الاصطناعي؛ إذ يمكن استخدامه لصياغة رسائل شخصية مقنعة، والتفاعل بلغات مختلفة، ومحاكاة أساليب التواصل العاطفي، بما يساعد المحتال على إدارة محادثات متعددة في الوقت نفسه.
كما تتيح تقنيات توليد الصور إنشاء هويات بصرية غير حقيقية، بينما يمكن استخدام تقنيات استنساخ الصوت والتزييف العميق لإنتاج تسجيلات أو مقاطع مرئية تبدو واقعية. ومع ذلك، لا يعني استخدام هذه الأدوات بالضرورة أن كل علاقة عبر الإنترنت مزيفة، وإنما تكمن المشكلة في توظيفها عمدًا لتضليل الآخرين وتحقيق مكاسب مالية غير مشروعة.
كيف تتحول المشاعر إلى وسيلة لسرقة الأموال؟
بعد بناء الثقة، يبدأ المحتال في اختبار استعداد الضحية لتقديم المساعدة المالية. وقد تكون البداية بمبلغ محدود بحجة الطوارئ، قبل تكرار الطلبات وزيادة قيمتها تدريجيًا.
وفي بعض الحالات، ينتقل الاحتيال إلى ما يُعرف بالاحتيال الاستثماري العاطفي، حيث يستغل الجاني العلاقة الوهمية لإقناع الضحية بتحويل أموال إلى منصات تداول أو مشروعات استثمارية مزيفة، مع عرض أرباح وهمية لإضفاء المصداقية على المخطط.
وتزداد صعوبة اكتشاف الخداع عندما تتداخل الوعود العاطفية مع الإغراءات المالية، إذ قد يتردد الضحية في التشكيك في الطرف الآخر خوفًا من خسارة العلاقة التي اعتقد أنها حقيقية.
ولا تتوقف الأضرار عند الخسائر المالية، بل قد تشمل الشعور بالخجل والصدمة النفسية وفقدان الثقة في الآخرين، وهو ما يدفع بعض الضحايا إلى تأخير الإبلاغ عن الواقعة.
علامات تكشف الخداع
هناك مجموعة من المؤشرات التي تستدعي الحذر، أبرزها التعلق العاطفي السريع والمبالغ فيه، والتهرب المتكرر من مكالمات الفيديو المباشرة، وتقديم أعذار مستمرة لعدم اللقاء، وطلب الأموال أو البيانات المصرفية أو رموز التحقق.
كما ينبغي التعامل بحذر مع أي شخص يضغط على الطرف الآخر لاتخاذ قرار مالي سريع، أو يطلب السرية بشأن التحويلات، أو يربط استمرار العلاقة بإرسال الأموال.
ويمكن الاستعانة بالبحث العكسي عن الصور والتحقق من المعلومات المنشورة عن الحساب، لكن هذه الإجراءات لا تقدم ضمانًا كاملًا، خصوصًا مع تطور تقنيات إنشاء المحتوى الاصطناعي.
الوعي الرقمي خط الدفاع الأول
تتطلب مواجهة هذا النوع من الاحتيال الجمع بين الوعي النفسي والأمن الرقمي. فالمشاعر، مهما بلغت قوتها، لا ينبغي أن تكون مبررًا لتحويل الأموال إلى شخص لم تُتحقق هويته بصورة مستقلة.
وينبغي عدم إرسال الأموال أو مشاركة بيانات الحسابات والبطاقات المصرفية ورموز التحقق مع أشخاص جرى التعرف إليهم عبر الإنترنت، مع الاحتفاظ بالمحادثات والإيصالات وأسماء الحسابات عند الاشتباه في الاحتيال، والتواصل سريعًا مع البنك لطلب إيقاف التحويل أو اتخاذ الإجراءات الممكنة، ثم الإبلاغ لدى الجهات المختصة.
في النهاية، لا يصنع الذكاء الاصطناعي الاحتيال العاطفي من العدم، لكنه يمنح المحتالين أدوات أكثر تطورًا لتوسيع نطاق الخداع وإضفاء مظهر مقنع على الهويات الوهمية. وبينما تتقدم التكنولوجيا، تظل القدرة على التحقق والتريث ورفض الضغوط المالية من أهم وسائل حماية المشاعر والأموال معًا.