تصدرت انتخابات إسرائيل المشهد السياسي مع تمسك بنيامين نتنياهو وجادي آيزينكوت بأحقيتهما في قيادة الحكومة، وسط مؤشرات أولية تكشف صعوبة حصول أي من المعسكرين على الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة الجديدة.
وتتواصل حالة الغموض السياسي في إسرائيل عقب الانتخابات التي جرت امس الثلاثاء، بعدما دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى تشكيل حكومة يمينية، في حين اعتبر منافسه جادي آيزينكوت أن الناخبين رفضوا استمرار نتنياهو في منصبه، مطالبًا إياه باعتزال الحياة السياسية.
وبحسب استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع، لم يتمكن أي من المعسكرين من حسم الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة؛ ما يفتح الباب أمام مفاوضات ائتلافية معقدة قد تستمر لأسابيع أو أشهر، وسط احتمالات اللجوء إلى انتخابات جديدة.
انتخابات إسرائيل 2026.. استطلاعات الخروج تكشف تقارب المعسكرين
ووفقًا لما ورد بوكالة «رويترز»، أظهرت استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع، التي بثتها القنوات الإسرائيلية «كان 11» و«12» و«13»، تقاربًا في عدد المقاعد بين المعسكرين المتنافسين.
وقدرت استطلاعات قناتي «كان 11» و«13» حصول كل معسكر على 51 مقعدًا، بينما منحت القناة «12» معسكر نتنياهو 52 مقعدًا مقابل 49 مقعدًا لمعسكر آيزينكوت.
وتشير هذه التقديرات إلى أن كلا المعسكرين لا يزال بعيدًا عن عتبة الأغلبية المطلوبة، والمحددة بـ61 مقعدًا من إجمالي 120 مقعدًا في الكنيست الإسرائيلي، في انتظار النتائج النهائية لعملية فرز الأصوات.
ولم يعلن نتنياهو أو آيزينكوت فوزه في الانتخابات، فيما أشار مراقبون إلى أن النتائج الأولية قد تتغير مع استمرار الفرز.
نتنياهو يتمسك بالحكم ويدعو إلى تشكيل حكومة يمينية
وفي المقابل، ركز بنيامين نتنياهو، خلال كلمة أمام أنصاره في مقر حزب الليكود بالقدس، على ما وصفه بالإنجازات العسكرية الإسرائيلية، متحدثًا عن إمكانية استئناف العمليات المشتركة ضد إيران بالتعاون مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وقال نتنياهو إن إسرائيل أمام فرصة وصفها بالتاريخية للتعاون مع الولايات المتحدة من أجل القضاء على ما تعتبره تهديدًا إيرانيًا، مؤكدًا ضرورة عدم السماح للدوافع السياسية بالتأثير على هذه المهمة.
وتأتي هذه التصريحات في وقت يواجه فيه ائتلاف نتنياهو القومي الديني تحديات بشأن قدرته على الاحتفاظ بالأغلبية البرلمانية، بعدما أشارت التقديرات الأولية إلى تراجع عدد مقاعده المحتمل مقارنة بالـ68 مقعدًا التي كان يمتلكها.
ومن المتوقع أن يحصل الحزبان اليمينيان المتطرفان، بقيادة إيتمار بن جفير وبتسلئيل سموتريتش، على نحو 13 مقعدًا مجتمعين، وفق التقديرات الواردة، دون تحقيق مكاسب كبيرة لأي منهما.
جادي آيزينكوت يطالب نتنياهو باعتزال السياسة
ومن جانبه، قال جادي آيزينكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي السابق وزعيم حزب «يشار»، إن نتائج الانتخابات تعكس رفض الناخبين استمرار نتنياهو في رئاسة الحكومة.
ودعا آيزينكوت منافسه إلى اعتزال الحياة السياسية، معتبرًا أنه لا يمتلك تفويضًا شعبيًا كافيًا للاستمرار في قيادة البلاد، كما حذر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من تقديم المصالح السياسية على اعتبارات الأمن القومي.
ويبلغ آيزينكوت 66 عامًا، وقد برز خلال السنوات الأخيرة بوصفه أحد أبرز منافسي نتنياهو، مستندًا إلى خبرته العسكرية ومواقفه المنتقدة لطريقة إدارة الحكومة للحرب والأزمات الأمنية.
وكان آيزينكوت قد انضم إلى حكومة الحرب التي شكلها نتنياهو عقب هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، قبل أن يستقيل منها بعد نحو ثمانية أشهر، منتقدًا إدارة رئيس الوزراء للملف العسكري والسياسي.
ورغم خلافاته مع نتنياهو وحلفائه من اليمين المتطرف، يتبنى آيزينكوت مواقف متشددة في عدد من الملفات الأمنية، كما يعارض إقامة دولة فلسطينية، ويدعو إلى تفكيك الجناح العسكري لحركة حماس.
الأحزاب العربية قد تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل الحكومة
وتزداد صعوبة المشهد السياسي الإسرائيلي مع احتمالية لعب الأحزاب العربية دورًا مؤثرًا في تحديد هوية الحكومة المقبلة، باعتبارها تقع خارج المعسكرين الرئيسيين.
لكن آيزينكوت استبعد تشكيل حكومة بالتعاون مع هذه الأحزاب، الأمر الذي قد يحد من خياراته في المفاوضات الرامية إلى الوصول إلى الأغلبية البرلمانية.
وفي ظل عدم حسم النتائج، قد تتحول الأحزاب الصغيرة إلى طرف رئيسي في مفاوضات تشكيل الائتلاف، خاصة أن النظام السياسي الإسرائيلي يعتمد على التحالفات الحزبية للوصول إلى الأغلبية اللازمة للحكم.
وتظل احتمالات استمرار حكومة تصريف الأعمال قائمة خلال فترة المفاوضات، كما لا يُستبعد إجراء انتخابات جديدة إذا فشلت القوى السياسية في التوصل إلى اتفاق لتشكيل حكومة مستقرة.
نسبة المشاركة في انتخابات إسرائيل تسجل أعلى مستوى منذ أكثر من 20 عامًا
وأعلنت لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية أن نسبة المشاركة في الانتخابات بلغت 77.7%، وهي الأعلى منذ أكثر من عقدين، بزيادة تقارب سبع نقاط مئوية مقارنة بانتخابات عام 2022.
وجرت الانتخابات في ظل تداعيات الهجوم الذي قادته حركة حماس في 7 أكتوبر 2023، والحروب التي أعقبته في قطاع غزة ولبنان، إلى جانب المواجهة مع إيران.
وشكلت القضايا الأمنية والعسكرية محورًا رئيسيًا في المنافسة بين نتنياهو وآيزينكوت، في وقت يواجه فيه رئيس الوزراء انتقادات داخلية بشأن الإخفاقات الأمنية التي سبقت هجوم أكتوبر 2023، فضلًا عن اتهامات فساد ينفيها.
كما أظهرت التقديرات الأولية تفاعلًا لافتًا داخل مقر القائمة المشتركة، التي تضم عددًا من الأحزاب العربية، بالتزامن مع مشاركة انتخابية مرتفعة بين الفلسطينيين داخل إسرائيل.
تراجع طفيف للشيكل وسط ترقب النتائج النهائية
وانعكست حالة عدم اليقين السياسي على الأسواق، إذ سجل الشيكل الإسرائيلي تراجعًا طفيفًا عقب ظهور التقديرات الأولية لنتائج الانتخابات.
ومن المنتظر إعلان النتائج النهائية يوم الخميس أو الجمعة، وفق المعلومات الواردة، بينما يظل مستقبل الحكومة مرهونًا بنتائج الفرز وقدرة الأحزاب على التوصل إلى اتفاقات ائتلافية.
وتأتي هذه الانتخابات في مرحلة حساسة بالنسبة إلى نتنياهو، الذي تولى رئاسة الحكومة لما يقرب من 19 عامًا على مدار العقود الثلاثة الماضية، ونجح في تجاوز أزمات سياسية متكررة، قبل أن يواجه منافسة جديدة تهدد قدرة معسكره على تشكيل حكومة بالأغلبية المطلوبة.
وبين تمسك نتنياهو بالاستمرار في الحكم ومطالبة آيزينكوت بتغيير القيادة، تبقى خريطة السلطة في إسرائيل غير محسومة، في انتظار النتائج النهائية ومآلات المفاوضات السياسية المقبلة.