خابت آمالنا، وتعسفت أحلامنا، وجميعنا الآن ينزف دمًا من كثرة الآلام التي ألمت بنا، فبدلًا من أن تدخل السعادة قلوبنا في هذه الأشهر من كل عام، حل مكانها الحزن والهم، نتيجة الخسائر الفادحة التي ألمت بنا هذا العام في محصول «الكركديه»، مما جعل بعضنا يبكي ألمًا، والبعض الآخر أُصيب بالمرض عقب صدمته في محصوله الذي بذل عليه آلاف الجنيهات التي اقترض الكثير منها من أصدقائه، وبذل جهدًا شاقًا عليه لمدة طويلة، استمرت حوالي 9 أشهر، من أجل جني ثمار البهجة، ولكن عند جني المحصول، أبصرت أعيننا على واقع مرير، جعل تأثير صدمتنا فيه كالصاعقة التي تأتي صاحبها فجأة، بهذه الكلمات المأساوية يُعبر مزارعو الكركديه في توماس التابعة لمركز ومدينة إسنا جنوب محافظة الأقصر، عن معاناتهم الشاقة مع المحصول وما سببه لهم من خسائر.
محصول الكركديه
قال محمد سليمان علي، أحد المزارعين ببلد الكركديه توماس وعافية، لـ «أهل مصر»: 'نحن كنا نضع آمالنا في موسم الكركديه هذا العام، كي نستطيع تزويج بناتنا وأولادنا أو بناء بيتنا، أو قضاء مصالح أخرى ببيع ثمار الكركديه، لكونه المصدر الوحيد لرزقنا، ولكن خابت آمالنا وأصبحنا نشاهد اليوم ضياع جهدنا أمام أعيننا ولا نستطيع فعل شيء سوى التَحسر، والبكاء، والندم، والألم'، موضحًا أنه قام بزراعة فدان كركديه كي يقوم ببيعه مثل العام الماضي ويجد رزقًا من خلفه، ينفق منه على نفسه وعائلته، ولكنه عقب إنفاقه حوالي 30 ألف جنيه على الفدان لم يجد أحدًا يشتريه منه الآن، أو يقوم تاجر بطرح 11 ألف جنيه فقط لشراء الفدان منه أو من غيره من المزارعين، مما جعله ذلك يتألم من الخسارة التي تقدر بقيمة 39 ألف جنيه مقارنة بالعام الماضي، مثل غيره من جميع المزارعين بداخل قريته والقرى المجاورة بكونهم بلد الكركديه.
خسائر بالجملة
وأوضح محمد أنه وغيره من المزارعين بذلوا على زراعة الكركديه هذا العام أضعاف الثمن الذي يرغب بعض التجار في شرائه منهم هذا العام، لافتًا إلى أنه حينما زرع فدان كركديه استمر في الإنفاق عليه لمدة 9 أشهر، بداية من شرائه بذور الكركديه بقيمة 2000 جنيه، لكون الفدان يحتاج إلى 20 كيلو، وحينما قام بشراء البذور كانت تُباع بـ 100 جنيه للكيلو الواحد، ثم تدرجًا إلى تحريث الأرض وتجهيزها للزراعة ودفع 2000 جنيه للجرار المحراث، ثم دفع خمسة آلاف جنيه لشراء غاز ووضعه داخل المكنة لاستخدام المياه وسُقيا الزرع، ثم شراء 5 أجولة سماد كيماوي بقيمة 5000 آلاف جنيه من السوق السوداء لعدم منح الجمعيات إليهم، ثم دفع 600 جنيه كل ساعتين في اليوم لأربعة عمال، لجني المحصول، ثم دفع ألف جنيه لكل مقطورة جرار لنقلها المحصول من الأرض وحتى أمام منزل السيدات العاملات في التفصيص بالأجر داخل القرية، ثم دفع 60 جنيهًا على كل صفيحة، لكل سيدة تقوم بتفصيص الكركديه، مُعقبًا: وبعد كل هذا الدفع ياجي تاجر عاوز ياخد منك الفدان بـ 11 ألف جنيه فقط فإحنا خسرانين خسائر بالجملة.
ولفت محمود علي، أحد المزارعين، إلى أن الكثير منهم ترك محصوله للمواشي، بسبب عدم إيجاده تجارًا يقبلون على شرائه رغم كونه بذل نقودًا كثيرًا عليه، والبعض عزم على ترك زراعة الكركديه بالمرة العام القادم، نتيجة الخسائر المذهلة التي سببها لهم المحصول هذا العام، بينما البعض من مزارعي الـ 10 أفدنة كركديه أُصيب بالمرض ولزم فراشه، بعد جني المحصول الذي لم يجد من يشتريه منه، بعد اقتراضه للإنفاق عليه طوال الأشهر الماضية لكونه يأخذ 9 أشهر في الأرض.
وأعرب حسنين محمد، أحد الأهالي، عن غضبه الشديد من تجاهل المسؤولين لهم، بقوله: 'محاصيلنا مُلقاة على أرضنا مش لاقية اللي يشتريها، تعب 9 شهور مُلقى على الأرض أمام ناظرنا كل يوم مش لاقي اللي يقبل على شرائه، وإن وجد تاجر بيجي يقولك بـ 11 ألف الفدان وبكده أنا خسران 39 ألف جنيه وبيقولي عاجبك عاجبك مش عاجبك خلاص ويمشي، انظروا للفلاح المزارع الغلبان بعيونكم إحنا تعبنا ومش عارفين نزرع إيه، حتى مهنتنا الوحيدة ومصدر رزقنا الوحيد في الحياة، مش قادرين نلاحق في الخسائر فيه، النهارده المزارع لو زرع قصب سكر خسران فيه، لإنه مطلوب منه يبيع الطن بـ 2500 والسعر ده مش مكفي الجرار اللي بينقل القصب من الزرع لمصنع السكر، بالإضافة لدفعه أموال للعمالة، والكيماوي، والجرار، ولو زرع ذرة شامية يجد أيضًا خسائر كبيرة، لإنه علشان أروح الجمعية الزراعية أصرف لي منها جوال سماد، بيقولي مفيش اضطر اشتري من السوق السوداء بـ 1200 النترات، والفدان عاوز له 2 جوال، بالإضافة لشراء مبيدات وعمالة وغيره، وعند بيع المحصول نجد أسعارًا مخفضة، وها هو الآن محصول الكركديه خسائره فادحة تعدت الـ 38 ألف جنيه في الفدان الواحد، فأصبح المزارع خسران ولا يوجد من ينظر إليه أو يدعمه في زراعته، ولم نحتج شيئًا سوى دعمنا من قبل الوزارة والمسؤولين.
وتساءل أحمد حمدي، مزارع آخر من نفس القرية، بقوله: 'من يا ترى سيتحمل الخسائر التي حدثت لنا هذا العام في محصول الكركديه؟ هل سنضعها من جيوب أبنائنا؟ أم نكسر حلقان نسائنا ونأخذ النقود منهن ونحملهن الخسائر؟ أم نقترض من أهالينا؟ فجميعنا مزارعين ولا يوجد لدينا مصدر رزق سوى الزراعة في أراضينا، فلم ندري من سيتحمل خسائرنا هذا العام، وكيف ستقضي حوائجنا التي كنا ننتظر حصاد المحصول لنفرح عيالنا وأنفسنا ولكن تحولت فرحتنا لنكسة وخيبة أمل حينما حصدنا ولم نجد من يشتري تعبنا'، مشيرًا إلى أن هذه الخسائر جعلت الأب لا يستطيع تزويج بنته في الوقت الذي كان مُحددًا لها، بسبب عدم مقدرته على شراء أجهزتها من بيع محصول الكركديه الذي كان مُعتمدًا عليه.
وأضاف المزارعون أن الخسارة عمت عليهم من جميع الجهات هذا العام، حيث أن الثمار عقب نضجها لم تجد من يشتريها، لخوف التجار من الشراء ثم الخسارة في المحصول، فالتاجر الذي يعرض عليهم اليوم 11 ألف جنيه قيمة الفدان الواحد، مُهدد بالخسارة لإنه قد يبيع المحصول بـ 8 آلاف جنيه فيخسر مثله مثل المزارع، بفارق أن خسارة المزارع تتعدى الـ 38 ألف جنيه، ولكن التاجر خسارته قد تصل إلى 5 آلاف جنيه، مؤكدين أن السبب الرئيسي في فشل المحصول هذا العام هو عدم التسويق له.
وطالب مزارعو الكركديه بتوماس في جنوب الأقصر وزير الزراعة، والمهندس عبد المطلب عمارة، محافظ الأقصر، بالاهتمام بالتسويق، والتصدير للكركديه، والنظر إليهم بعين الرحمة، وإنقاذ بلد الكركديه توماس وعافية، من الضياع والانهيار الذي أصاب أهلها نتيجة الخسائر الفادحة التي تعرضوا لها.