خلف صهيل الخيول المتعب وصوت العجلات الخشبية التي شاخت على أسفلت شوارع قنا، تكمن قصة صراع بقاء 'الحنتور'، ذاك الكيان التراثي الذي ارتبط في أذهان أبناء الصعيد بالوجاهة والزمن الجميل، يجد نفسه اليوم مطارداً في شوارع مدينتي قنا ونجع حمادي، ليس بفعل الزمن فحسب، بل بحزمة قرارات محلية وزحف عشوائي لوسائل مواصلات حديثة.
حنتور قنا وسيلة تصارع الانقراض
تراث في مهب الريح
'هذه المهنة ورثناها أباً عن جد منذ 100 عام، ولا نعرف لنا سبيلاً غيرها'.. بهذه الكلمات لخص عبده محمود، سائق حنتور، مأساة العاملين في المهنة، معربا عن دهشته من قرارات منع سيرهم بدعوى أن الحنتور 'منظر غير حضاري'، معلقاً بأسى: 'كيف أصبح التراث والحضارة منظراً مرفوضاً في زماننا؟'.
المحليات والتوك توك.. الحصار المزدوج
يروي السائقون معاناتهم مع توقف استخراج التراخيص والتأمينات والمتابعة البيطرية التي كانت تنظم عملهم سابقاً.
ويشير سعيد السيد إلى أن غياب التنظيم فتح الباب لسيطرة 'التوك توك' والسرفيس على الشوارع، مطالبًا بتقنين وضعهم وتحديد اشتراطات صحية ومرورية بدلاً من الإقصاء الكامل، قائلاً: 'نحتاج فرصة لأكل العيش في هذه الظروف الصعبة'.
أعباء مادية وذكريات "الأعيان"
لم تعد المشكلة في المطاردة المرورية فقط، بل امتدت لتشمل تكلفة 'الخيل'؛ حيث يوضح أحمد محمود، صاحب حنتور، أن مصروفات إعاشة وعلاج الحصان أصبحت تفوق العائد، خاصة مع عزوف الكثيرين عن استخدامه، رغم تأكيده أن هناك عائلات لا تزال تتمسك به كـ'فسحة' راقية وآمنة بعيداً عن صخب الحوادث.
من جانبه، يسترجع منصور أسعد، سائق حنتور، ذكريات 'الزمن الجميل' حين كان الحنتور هو ملك الوسائل، يركبه الأعيان والسياح وكبار العائلات، متعجباً من الحال الذي وصل إليه هذا التراث الذي بات يصارع الاندثار وسط حيرة أصحابه: 'أين نذهب وبماذا نعمل؟'.