عندما تسير داخل ساحة مسجد سيدي عبد الرحيم القنائي بمدينة قنا، يلفت نظرك رجل سبعيني جالس في هدوء، تحيط به أطباق الفاكهة المرصوصة بعناية، بينما تنشغل يداه بتقطيع الثمار وترتيبها طبقًا بعد آخر، المشهد يبدو بسيطًا للوهلة الأولى، لكنه بالنسبة لزوار المسجد أصبح علامة ثابتة من علامات شهر رمضان الكريم.
العم فاروق قبل أذان المغرب بساعات، يبدأ العم فاروق يومه داخل المسجد، يجهز ما يزيد عن 100 طبق بمفرده، متنقلًا بين تقطيع الفاكهة وترتيبها، استعدادًا للحظة ينتظرها كل يوم، حين يبدأ الصائمون في التوافد إلى الساحة الخارجية للإفطار، ومع اقتراب الأذان، تمتد يده بالأطباق إلى المارة والزائرين، في مشهد يتكرر منذ أكثر من 30 عامًا دون انقطاع.

لم يكن الأمر مخططًا في البداية، فقبل سنوات طويلة شاهد العم فاروق أحد المحبين للمسجد يوزع الطعام على الصائمين، فقرر أن يسير على النهج نفسه، ويجعل من شهر رمضان موعدًا ثابتًا للعطاء، ومنذ ذلك الحين، أصبح حضوره جزءًا من ذاكرة المكان، ينتظره الصائمون كما ينتظر هو دعواتهم الصادقة مع نهاية كل يوم،
ورغم بلوغه سن المعاش، لم يتخلَّ عن مهمته اليومية، إذ يشتري الفاكهة على حسب موسمها من البرتقال واليوسفي والموز والفراولة والجوافة بجانب العنب والتمور من نفقته الخاصة أحيانًا، ويساهم معه بعض الأهالي أحيانًا أخرى، ،لكنه يصر دائمًا على تجهيز الأطباق بنفسه، مؤكدًا أن ما يقدمه ليس سوى محاولة بسيطة لنيل ثواب إفطار الصائم.
العم فاروق ومع ارتفاع صوت أذان المغرب، تختفي الأطباق سريعًا بين أيدي الصائمين، ويبقى العم فاروق جالسًا يراقب المشهد في هدوء، مكتفيًا بابتسامة رضا، بعد يوم جديد من العطاء الذي اعتاد أن يعيشه كل رمضان، وبينما يودّع الصائمين، يؤكد أن كل ما يتمناه هو أن يكتب الله له زيارة بيته الحرام وأداء العمرة أو الحج، وأن يمنّ على زوجته بالشفاء، مؤمنًا بأن دعوات الصائمين قد تحمل له يومًا تحقيق تلك الأمنية التي ينتظرها بقلب راضٍ.

