تتميز محافظة بورسعيد بموقعها الجغرافي الفريد الذي جعلها ملتقى للثقافات، وشاهدةً على تواجد العديد من الجاليات والخبرات المعمارية الأوروبية عبر فترات زمنية متفاوتة. هذا التمازج ترك خلفه إرثاً معمارياً استثنائياً يزين شوارع المدينة الباسلة. ومن بين هذه الكنوز التي قد يمر البعض بجوارها دون إدراك لقيمتها، يقف تاريخ طويل خلف مبنى البريد الفرنسي، أو كما يعرف محلياً بـ 'البوسته الفرنسية'.
شريان التواصل مع العالم: سبب التأسيس والموقع
مع بزوغ فجر بورسعيد كبوابة شمالية لقناة السويس التي ربطت شرق العالم بغربه، توافدت أعداد هائلة من الجاليات الأجنبية للإقامة والعمل في مشروع حفر القناة. ومع حركة السفن الدؤوبة وتردد البحارة الأجانب على الميناء لأعمال الشحن والتفريغ، ظهرت حاجة ملحة لإنشاء مكتب بريد قريب يكون بمثابة 'همزة الوصل' بين هؤلاء المغتربين وذويهم في أوروبا.
الموقع
يقع المبنى في قلب حي الشرق (الحي الإفرنجي)، وتحديداً عند تقاطع شارعي صفية زغلول ('أوجيني' سابقاً) وممفيس، بالقرب من باب رقم 8 الجمركي.شيد المبنى الخواجة الفرنسي 'جان باتست بيير' عام 1867م، أي قبل افتتاح قناة السويس للملاحة بعامين تقريباً.
و ذكر المؤرخ اليوناني 'ديمتريوس خالدبيس ' في كتابه 'ذكريات وأحداث في بورسعيد'أن مبنى 'البوستة الفرنسية' احتضن حفلاً ضخماً أقيم بمناسبة افتتاح قناة السويس. وظل المبنى لسنوات طويلاً يُستخدم كمكتب بريد ومقر لإقامة مديره 'أنطوان جريما'، حيث استمر مكتب البريد الفرنسي في تقديم خدماته وإصدار طوابعه الخاصة في الفترة من 1867 حتى 1899م.
من مكتب بريد إلى "كباريه"
لم تخلُ رحلة المبنى التاريخية من المفاجآت المثيرة؛ فبحسب وثائق دار المحفوظات وما أشار إليه الدكتور أحمد رجب، شهد المبنى تحولاً درامياً في غضون الحرب العالمية الثانية. وتحديداً في 9 أكتوبر 1943م، بعد أن بيع المبنى لسيدة فرنسية تدعى 'تريزا جوزيف رومانو'، تحول الطراز المعماري العريق إلى ملهى ليلي ('كباريه').
الطراز المعماري وإهمال السنوات الأخيرة
كما تظهر الصورة في ملف image.png، تميز المبنى بطراز معماري فريد يعكس روح بورسعيد القديمة، متميزاً بالبواكي والأقواس (الكوندات) الأرضية، والشرفات الخشبية الطولية ذات النقوش المميزة التي تظلل الرصيف. وعلى الرغم من انتقال ملكيته لاحقاً لأحد رجال الأعمال وإدراجه رسمياً ضمن قائمة المباني ذات الطراز المعماري المميز والتراثي، إلا أنه عانى لسنوات طويلة من الغلق والإهمال، وبدأت تظهر على واجهاته الشروخ الواضحة وسقوط بعض أجزائه، مما كان ينذر بنهاية وشيكة لهذا الأثر.
الإزالة والهدم في يونيو 2026
في تطور حديث ومتسارع طوى صفحة تاريخية من تاريخ المدينة، تم هدم مبنى البوسطة الفرنسية بالكامل في يونيو 2026 كجزء من أعمال التطوير التي تشهدها المنطقة. لتتحول 'البوسته الفرنساوي' من صرح معماري يشهد على عالمية بورسعيد منذ نشأتها، إلى مجرد ذكرى وصور توثق حكاية مبنى 'كان ولم يعد'.