بعد أيام من صدور حكم محكمة جنايات أسيوط، في درجتها الأولى، ببراءة رئيس مجلس إدارة جمعية رجال الأعمال بأسيوط السابق و4 آخرين، من بينهم أمين صندوق الجمعية السابق، في قضية الاستيلاء على أموال مملوكة لجمعية رجال الأعمال بأسيوط بلغت قيمتها 18 مليون و 436ألف و 909 جنيها.سارعت نيابة الأموال العامة بأسيوط بالطعن على حكم البراءة، لتعاد محاكمة المتهمين أمام الدائرة الثانية الاستئنافية بمحكمة جنايات أسيوط.
وجاء استئناف النيابة تحت إشراف المستشار فليمون رفعت شاكر، المحامي العام الأول لنيابة استئناف أسيوط للأموال العامة، وبرئاسة المستشار محمود حلمي، رئيس نيابة الأموال العامة بأسيوط، والمستشار احمد كمال، وكيل النيابة.
وخلال مرافعته أمام هيئة المحكمة، استهل المستشار محمود حلمي مرافعته بالتأكيد على أن النيابة العامة لا تغض الطرف عن المظالم ولا تتوانى عن حماية المال العام، موضحا أن الطعن على حكم البراءة لم يكن بهدف طلب الإدانة جزافا أو التشفي من المتهمين، وإنما استنادا إلى ما تضمنته أوراق القضية والتحقيقات وتقارير الخبرة من وقائع وأدلة رأت النيابة إنها تؤكد ارتكاب المتهمين للاتهامات المسندة إليهم.
وقال رئيس نيابة الأموال العامة بأسيوط في مرافعته أن القضية تتعلق بحماية المال العام ورد الاعتبار لمبدأ المحاسبة، مؤكدا أن النيابة جاءت أمام المحكمة لعرض ما انتهت إليه التحقيقات من وقائع تتعلق بالحصول على ربح ومنفعة من أعمال الوظيفة دون وجه حق والاستيلاء وتسهيل الاستيلاء على المال العام.
واستعرضت النيابة تفاصيل القضية، موضحة أن بدايتها تعود إلى ما أسفرت عنه أعمال عضو هيئة الرقابة الإدارية الضابط محمد حسن يسري الشريف، بعد ورود معلومات عن وجود مخالفات داخل جمعية رجال أعمال أسيوط، تتعلق بتعاقدات ومشروعات قالت النيابة إنها ترتب عليها إهدار مبالغ مالية من أموال الجمعية.
وبحسب ما ورد في مرافعة النيابة، فقد دارت الوقائع حول عقدين رئيسيين، الأول خاص بتوريد معدات وأدوات تستخدم في تجميع الأجهزة الكهربائية والشاشات، والثاني خاص ببناء مصنع كامل المرافق لتجميع الأجهزة الكهربائية والشاشات.
وأوضحت النيابة أن المتهم الأول، رئيس مجلس إدارة الجمعية السابق، والمتهم الثاني، أمين صندوق الجمعية السابق، تعاقدا على توريد خط إنتاج لتجميع شاشات العرض، شاملا جميع المعدات والأدوات المساعدة للتشغيل، دون إتباع الإجراءات المقررة في اللائحة الأساسية للجمعية، وانفردا باتخاذ إجراءات التعاقد وحجباها عن باقي أعضاء مجلس الإدارة.
وأشارت النيابة إلى أن التحقيقات خلصت إلى أن التعاقد تم بأسعار تزيد على الأسعار السوقية السائدة وقت التعاقد، والتي قدرت قيمتها وفقا لما ورد في المرافعة بمبلغ 6 ملايين و652 ألف جنيه.
كما ابرم المتهمان تعاقدا مع المتهم الخامس، محمد ا. ك، بموجب عقد مؤرخ في 1 أكتوبر 2017، لبناء مصنع كامل المرافق لتجميع الأجهزة الكهربائية، دون إتباع الإجراءات المقررة في اللائحة الأساسية للجمعية، وبأسعار قالت النيابة أنها تزيد على الأسعار السوقية السائدة، والتي بلغت وفقا لما ورد في التحقيقات 8 ملايين و261 ألفا و757 جنيها و60 قرشا.
كما اتهمت النيابة المتهمين بصرف مبالغ مالية قدرها 5 ملايين و575 ألف جنيه من أموال الجمعية للمتهم الثالث، بالمخالفة للشروط المنصوص عليها بالعقد المبرم معه.
ووجهت النيابة إليهما كذلك اتهاما بصرف مبلغ 5 ملايين و851 ألفا و852 جنيها لأنفسهما دون إتباع الإجراءات الصحيحة الخاصة بالصرف، موضحة إنهما قاما بإدراج هذه المبالغ في البرنامج المحاسبي الخاص بالجمعية، ضمن قطاع المشروعات الخاص بإنشاء مصنع تجميع الأجهزة الكهربائية بالمنطقة الصناعية ببني غالب، بما يفيد صرفها على تنفيذ المشروع خلافا للحقيقة، وهو ما مكنهما، بحسب الاتهام، من الاستيلاء على المبلغ المالي دون وجه حق.
وللوقوف على حقيقة المخالفات، قامت الرقابة الإدارية بتشكيل لجنة فنية ضمت عددا من المهندسين من كلية الهندسة بجامعة أسيوط ومديرية الإسكان بالمحافظة، بهدف فحص التعاقدات وتقييم الأعمال والمبالغ التي تم صرفها ومدى مطابقتها للأسعار والاشتراطات.
كما انتدبت النيابة لجنة من مكتب خبراء الكسب غير المشروع والأموال العامة بسوهاج لفحص الوقائع والمستندات والحسابات الخاصة بالجمعية، وبيان مدى وجود مخالفات مالية في التعاقدات وعمليات الصرف.
وأكدت النيابة خلال مرافعتها أن تقرير لجنة الخبرة تناول الفترة من عام 2016 وحتى عام 2021، وان المتهمين الأول والثاني قاما خلال تلك الفترة بإجراءات التعاقد الخاصة بتوريد خط الإنتاج لتجميع شاشات العرض دون إتباع الإجراءات المقررة في اللائحة الأساسية للجمعية.
وأوضحت النيابة أن المتهمين انفردا بهذه الإجراءات وحجباها عن باقي أعضاء مجلس الإدارة، معتبرة أن هذه الوقائع، إلى جانب باقي الأدلة والمظاهر الخارجية، تكشف عن توافر القصد الجنائي لديهما، خاصة مع إبرام التعاقدات بأسعار تزيد على الأسعار السوقية السائدة في ذلك الوقت.
وتطرقت النيابة إلى طبيعة جمعية رجال أعمال أسيوط، مؤكدة إنها ليست مجرد كيان خاص، وإنما جمعية تقوم بدور في خدمة المجتمع وتنفيذ مشروعات تنموية وخدمية، وتخضع لإشراف ورقابة الجهات الإدارية المختصة.
واستندت النيابة في ذلك إلى شهادة محمد عبد اللاه العطيفي، وكيل مديرية التضامن الاجتماعي بأسيوط في ذلك الوقت، والذي شهد في التحقيقات بخضوع الجمعية لإشراف ورقابة مديرية التضامن الاجتماعي.
وكان من بين أهم النقاط التي تناولتها النيابة في الاستئناف مسألة الطبيعة القانونية لأموال الجمعية، حيث تمسك دفاع المتهمين أمام محكمة أول درجة بان أموال الجمعية لا تعد أموالا عامة، وهو الأساس الذي انتهى إليه حكم البراءة الأول.
وردت النيابة على ذلك بان أموال الجمعية تخضع للحماية المقررة للمال العام، مستندة إلى النصوص القانونية المنظمة للجمعيات الأهلية، والى خضوعها للإشراف والرقابة من جانب الجهات الإدارية والرقابية المختصة.
وأشارت النيابة إلى نص المادة 119 من قانون العقوبات وما تضمنته من تحديد لمفهوم الأموال العامة، وكذلك المادة 119 مكرر التي تتعلق بالعاملين في الجهات التي تشملها الحماية القانونية للمال العام.
كما استندت النيابة إلى القانون رقم 70 لسنة 2017، الذي اخضع الجمعيات الأهلية لقواعد الرقابة، مشيرة إلى المادة 15 من القانون، فضلا عن المادة 27 التي تخول ممثلي الجهة الإدارية دخول مقرات الجمعيات وفروعها للاطلاع على أنشطتها ومتابعتها وفحص سجلاتها.
وأكدت النيابة أن الثابت من أوراق القضية أن أموال جمعية رجال أعمال أسيوط كانت خاضعة لإشراف الجهة الإدارية وفحص الجهات الرقابية المختصة، وان العاملين بها كانوا يمارسون مهامهم في ظل هذا الإشراف، وهو ما رأت معه النيابة أن أموال الجمعية تدخل في نطاق الحماية القانونية للمال العام.
وطالبت النيابة المحكمة بمطالعة تقرير لجنة مكتب خبراء الكسب غير المشروع والأموال العامة بسوهاج، خاصة الصفحات من 13 إلى 16، والتي تناولت تاريخ صرف المبالغ محل الاتهامات.
وأوضحت النيابة أن صرف المبالغ محل جريمتي تربيح الغير من أعمال الوظيفة والاستيلاء وتسهيل الاستيلاء على المال العام تم خلال الفترة من 31 ديسمبر 2017 وحتى 10 أغسطس 2021، ومن ثم رأت النيابة أن القانون رقم 70 لسنة 2017 هو القانون الواجب التطبيق على الوقائع، باعتباره صادرا في 2 مايو 2017، إلى جانب القانون رقم 149 لسنة 2019.
وأكدت النيابة أن حكم محكمة أول درجة اخطأ، من وجهة نظرها، في تطبيق القانون عندما انتهى إلى عدم اعتبار أموال الجمعية أموالا عامة، رغم خضوعها للإشراف والرقابة المنصوص عليهما في القوانين المنظمة للجمعيات الأهلية.
كما شرحت النيابة أمام المحكمة أركان الاتهامات المسندة إلى المتهمين، موضحة أن الركن المادي لجريمة الحصول على ربح أو منفعة من أعمال الوظيفة يتمثل في السلوك الذي يأتيه الموظف العام أثناء مباشرته لاختصاصات وظيفته بقصد الحصول على ربح أو منفعة لنفسه أو للغير دون وجه حق.وأوضحت أن الركن المعنوي يتمثل في اتجاه إرادة الموظف العام إلى ارتكاب السلوك الإجرامي مع علمه بأنه مخالف للقانون.
وبالنسبة إلى جريمتي الاستيلاء وتسهيل الاستيلاء على المال العام، أوضحت النيابة أن السلوك الإجرامي يتحقق باتجاه الموظف إلى الاستيلاء على المال العام أو تمكين الغير من الاستيلاء عليه، سواء عن طريق الخلسة أو القوة أو الحيلة، مع توافر القصد الجنائي واتجاه إرادة الجاني إلى الحصول على المال وإضاعته على جهة عمله.
وأكدت النيابة أن دفاع المتهمين لم يقدم، بحسب ما عرضته في مرافعتها، ما ينال من الاتهامات سوى التمسك بان أموال الجمعية ليست أموالا عامة، وهو الدفع الذي تمسكت النيابة برفضه استنادا إلى القوانين المنظمة للجمعيات الأهلية والرقابة المفروضة عليها.
كما تناولت النيابة تطور التشريعات المنظمة للجمعيات الأهلية، مشيرة إلى قانون الجمعيات رقم 84 لسنة 2002، ثم القانون رقم 70 لسنة 2017، وأخيرا القانون رقم 149 لسنة 2019، وقالت أن القانونين الأخيرين اخضعا الجمعيات لقواعد الإشراف والرقابة المالية والإدارية من جانب الدولة والجهات المختصة.
وطالبت نيابة الأموال العامة هيئة المحكمة بإلغاء حكم البراءة الصادر من محكمة أول درجة، وإعادة الأمور إلى نصابها القانوني، مؤكدة أن الحماية القانونية للمال العام لا تتوقف على رغبة الأفراد في وصف المال أو طبيعته، وإنما تحددها النصوص القانونية ومدى خضوع المال للجهات التي نص عليها القانون.
وبعد سماع مرافعات النيابة ودفاع المتهمين، والمداولة، أصدرت الدائرة الثانية الاستئنافية بمحكمة جنايات أسيوط برئاسة المستشار محمد سيف النصر محمد، رئيس المحكمة، وعضوية المستشارين خالد عبدالسلام وأحمد عبدالمقصود، الرئيسين بالمحكمة، وأمانة سر محمد فاروق هاشم وطارق فارس.حكمها بالسجن المشدد 7 سنوات حضوريا لرئيس مجلس إدارة جمعية رجال الأعمال بأسيوط السابق، وغيابيا لامين صندوق الجمعية السابق.
كما عاقبت المحكمة 3 متهمين آخرين بالسجن المشدد 5 سنوات، بينهم اثنان هاربان، وذلك بعد إدانتهم بالاستيلاء على أموال مملوكة لجمعية رجال الأعمال بأسيوط.
وقضت المحكمة كذلك بإلزام المتهمين برد مبلغ 18 مليون و 436ألف و 909 جنيها وتغريمهم غرامة مساوية للمبلغ، وذلك في القضية التي شهدت انتقال المتهمين من حكم بالبراءة أمام محكمة أول درجة إلى أحكام بالسجن المشدد أمام الدائرة الاستئنافية.