ads
ads

«الهلال» يُضيء عتمة التاريخ بين صلبان «الكومنولث».. قصة شاهد قبر بـ بورسعيد يوثق إنسانية الحروب الكبرى

حراس الذاكرة صمتا: عندما تتعانق الأهلة والصُلبان في تراب بورسعيد

«الهلال» يُضيء عتمة التاريخ بين صلبان «الكومنولث».. قصة شاهد قبر بـ بورسعيد يوثق إنسانية الحرب الكبرى
«الهلال» يُضيء عتمة التاريخ بين صلبان «الكومنولث».. قصة شاهد قبر بـ بورسعيد يوثق إنسانية الحرب الكبرى

بين صفوف الشواهد الحجرية المنسقة بعناية، وتحت ظلال أشجار النخيل العالية التي تروي ذاكرة مدينة بورسعيد الباسلة، يقف المتأمل داخل «مقابر الكومنولث العسكرية» أمام حكاية استثنائية تخترق صمت المكان؛ حيث يشاهد قبر فريد من نوعه، يجسد وثيقة إنسانية وتاريخية نادرة بين رفات جنود الحرب الكبرى؛ حيث ينتصب رمز 'الهلال' الإسلامي صريحا إلى جانب اسم الجندي (MAHMOUD HERSI)، المنقوش بتاريخ رحيله في 4 أبريل 1918.

تلك اللقطة المفصلية تؤكد أن هذه المقابر لم تكن يوما حكرا على الديانة المسيحية فحسب، بل احتضنت أيضا رفات جنود مسلمين شاركوا في أتون الحرب العالمية الأولى، ليرقد الهلال والصليب جنبا إلى جنب في سلام دائم تحت ثرى بورسعيد.

«الهلال» يُضيء عتمة التاريخ بين صلبان «الكومنولث».. قصة شاهد قبر بـ بورسعيد يوثق إنسانية الحرب الكبرىالشاهد الذي هز رتابة الموت

جندي طوت أيامه رحى الحرب الكبرى

في خضم المعارك الطاحنة للحرب العالمية الأولى (1914 - 1918)، لم تكن جبهات القتال الميدانية وحدها مسرحا للموت؛ بل تحولت بورسعيد ومجرى قناة السويس إلى محطة إخلاء واستشفاء عسكرية ضخمة استقبلت آلاف الجرحى والمصابين.

ومن بين الذين جُندوا ضمن القوات المتحالفة، كان الجندي «محمود هرسي»، الذي غادر دياره حاملاً قدره المجهول، لتنتهي رحلته في مستشفيات بورسعيد الميدانية متأثراً بإصاباته بعيداً عن أهله وموطنه. لم يكن قبره الموشوم بالهلال مجرد حجر ثاقب، بل هو شاهد على أن الموت في سبيل المعارك الكبرى لم يفرق بين هوية وأخرى.

«الهلال» يُضيء عتمة التاريخ بين صلبان «الكومنولث».. قصة شاهد قبر بـ بورسعيد يوثق إنسانية الحرب الكبرى«الهلال» يُضيء عتمة التاريخ بين صلبان «الكومنولث»..

الموقع والتأسيس.. 100 عام من الذاكرة

تقع مقابر الكومنولث التذكارية للحرب على الناحية الغربية لمدينة بورسعيد، في المنطقة الممتدة بين البحر الأبيض المتوسط وبحيرة المنزلة بالقرب من الطريق المؤدي إلى دمياط. بدأت المقبرة في استقبال المدافن منذ أكتوبر 1914، لتتحول مع مرور الزمن إلى سجل تاريخي مفتوح يوثق دور بورسعيد كمركز طبي وإستراتيجي للمستشفيات العسكرية الثابتة ووحدات الإخلاء الطبي (لا سيما المستشفيات الميدانية الأسترالية والنيوزيلندية).وتشير هيئة الكومنولث لمقابر الحرب إلى وجود ثلاثة مواقع تابعة لها في المنطقة:

1. مقبرة بورسعيد التذكارية للحرب.

2. مقبرة بورسعيد البريطانية البروتستانتية.

3. مقبرة بورسعيد المدنية للمسلمين.

«الهلال» يُضيء عتمة التاريخ بين صلبان «الكومنولث».. قصة شاهد قبر بـ بورسعيد يوثق إنسانية الحرب الكبرىالوثيقة

القاعدة المصرية في الحربين العالميتين (نص الوثيقة)

تمثل المصادر الموثقة على الجدران واللوحات المركزية للمقبرة شهادة ثبتت بالحجر حول قيمة مصر الإستراتيجية: 

الجسر الإستراتيجي: «مصر، الجسر الأرضي بين أفريقيا وآسيا وعبر قناة السويس همزة الوصل بين الشرق والغرب، كانت قاعدة هامة للكومنولث في الحربين العالميتين». 

صد العدوان والانطلاق: «عقب هجوم غير ناجح تعرضت له مصر من القوات التركية من الشرق في الحرب الأولى، أصبحت مصر قاعدة الانطلاق لمساندة غزو سيناء، فلسطين، لبنان وسوريا». 

حرب الصحراء وحسم العلمين: «في الحرب الثانية، كان التهديد قادماً من الغرب ولم يتم القضاء عليه حتى أكتوبر 1942 حين تحقق النصر في معركة العلمين، مما أدى إلى الإجلاء النهائي للقوات الألمانية والإيطالية عن شمال أفريقيا». 

المرافق والمستشفيات: استضافت القاعدة المصرية مراكز ترحيل ومخازن مؤن ومستشفيات ضخمة، حيث نقل إليها القتلى والجرحى، وتضم المقابر المرفقة بها أكثر من 16,000 جندي تم التعرف عليهم، ونُصُباً تذكارية لعدد مماثل ممن لم يعرف لهم قبر. كما نقشت أسماء أكثر من 22,000 شهید لحرب الصحراء في مقابر العلمين والسلوم. 

الهيكل العددي والتوزيع الجنسي للمدافن

تكشف بيانات المدافن الموجودة عن تنوع جغرافي وعرقي واسع للمحاربين الذين رقدوا في بورسعيد.

1. الإحصاء العام للمدفونين (1104 مدفناً):

544 مدفناً: من ضحايا الحرب العالمية الأولى.

111 مدفناً: من ضحايا الحرب العالمية الثانية.

430 مدفناً: لضحايا من جنسيات أخرى (مثل ألمانيا، إيرلندا، كينيا، ميانمار، نيجيريا، زيمبابوي... إلخ).

7 مدافن: غير حربية.

2. التفصيل الخبري لجنود الكومنولث والحلفاء (1094 قبراً):

يبلغ عدد الجنود البريطانيين 457 جندياً من الحرب الأولى، و101 جندي من الحرب الثانية. 

يبلغ عدد الجنود الفرنسيين 437 جندياً من الحرب الأولى. 

يبلغ عدد الجنود الأستراليين 65 جندياً من الحرب الأولى، و3 جنود من الحرب الثانية. 

يبلغ عدد الجنود النيوزيلنديين 11 جندياً من الحرب الأولى. 

يبلغ عدد الجنود الهنود 8 جنود من الحرب الأولى. 

يبلغ عدد جنود جنوب أفريقيا 4 جنود من الحرب الثانية. 

يبلغ عدد جنود الهند الغربية البريطانية 3 جنود من الحرب الأولى. 

يبلغ عدد جنود شرق أفريقيا جندياً واحداً من الحرب الثانية.  يبلغ عدد جنود غرب أفريقيا جندياً واحداً من الحرب الثانية.  يبلغ عدد الجنود الكنديين جندياً واحداً من الحرب الثانية. 

يبلغ عدد الجنود الصرب جندياً واحداً من الحرب الأولى. 

يبلغ عدد الجنود الأمريكيين جندياً واحداً من الحرب الأولى. 

«الهلال» يُضيء عتمة التاريخ بين صلبان «الكومنولث».. قصة شاهد قبر بـ بورسعيد يوثق إنسانية الحرب الكبرىتخليد الذاكرة الكرم المصري وتخليد الذاكرةتكتمل الملحمة الإنسانية على المدخل الرئيسي للمقبرة، حيث توثق اللوحة الرخامية المنقوشة بالخط العربي الأصيل كرم المصريين وإنسانيتهم التاريخية في النص الخالد:

«إن أرض هذه المقبرة هبة من المصريين

لتكون قبوراً دائمة لجنود الحلفاء الذين

قتلوا في حرب سنة 1914 - 1918 تخليداً لذكراهم»

إن قبر الجندي «محمود هرسي» - المنقوش بالهلال - ليس جراحاً غائرة، بل هو شاهد صامت يروي كيف صارت بورسعيد واحة لإنسانية الموت بعد صراعات الحياة، لتبقى هذه المقابر صفحة مجيدة تجسد سماحة أرض مصر وعظمة تاريخها.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً
عاجل
عاجل
السيسي من روسيا: مصر تواجه ندرة مائية والمياه يجب ألا تكون سببًا للنزاع