عاش جيلنا عمراً طويلاً مخدوعاً في شخوصٍ وفي أسسٍ، تحول بعضها إلى ما يشبه المقدَّس من الدين. لقد دفعتني ظروفٌ مختلفة للقيام بمراجعة كثيرٍ من أفكارٍ قرأتها في وقتٍ سابق، بعد أن رأيتُ أن هناك تهافتاً لمن كان كثيرٌ من الناس يعتبرونهم دعاةً إلى الله. ومن بين المفاهيم التي قررتُ أن أراجعها مصطلحُ "الحاكمية"، ولكنها كانت مراجعةً ليست كغيرها من المراجعات.
لقد كانت المفارقةُ أنه عندما بدأتُ في تتبع فكرة "الحاكمية"، لم أكن أتوقع أن تنهار الفكرة بهذه السهولة؛ كانت مفاجأةً لي أنا نفسي أن يظهر أمامي زيفُ هذه الفكرة وخداعُ المصطلح في وقتٍ قصير.
فالحاكمية.. هذا المصطلح الغريب الدخيل على اللغة العربية، الذي تحول بفعل التعصب إلى دين مقدس يقتل أتباعه الآخرين في سبيله، لم يكن له أبداً أي أصل في المعاجم أو اللغات، ولا يستطيع أي باحث منصف في أي مجال علمي أن يبني عقيدة بأكملها على مصطلح مفارق لجذور اللغات.
وحين أتأمل هذه المعضلة، تستبد بي ذكريات محاضرات أستاذي العظيم الذي تعلمت منه الفلسفة؛ فيلسوف هذا العصر الدكتور حسن حنفي، الذي طالما علّمنا بوعيه العميق أن «اللغة هي وعاء الفكر»؛ فإن كانت اللغة فاسدة ومصطنعة، أصبح الفكر الذي تعبر عنه فاسداً بالضرورة ومأزوماً.
ولعل "الحاكمية" كانت المفردة الأكثر إثارة للجدل والدم في كل أدبيات الإسلام السياسي. الحقيقة التاريخية واللغوية الناصعة أن كلمة "الحاكمية" لا أصل لها في اللغة العربية قط؛ بل إن أصلها يعود إلى أن مؤسس الجماعة الإسلامية في الهند، أبو الأعلى المودودي، قد "صكّها" نحتاً وترجمةً عن المفردة الإنجليزية (Governance)، ثم نقلها سيد قطب بحذافيرها إلى العربية ليصيغ منها مصطلح "الحاكمية".
إن خلوّ كل معاجم اللغة العربية الأصيلة من أي إشارة من قريب أو بعيد لكلمة "الحاكمية" -أو لأي معنى لغوي صحيح يحمل هذا المدلول السياسي الطارئ- يكشف عن خطأ مهني وفكري فادح؛ فمنهجياً لا يستقيم أبداً استخدام مفردة غير أصيلة وغير صحيحة لغويّاً لبناء نظرية كاملة عليها، فما بالك إذا كانت هذه النظرية تتعلق بأخطر قضايا الوجود الإنساني: الحكم، والتشريع، ودماء العباد!
وأوردت المعاجم العربية مفردات مادة (حكم)، وهي: الحُكم بمعنى القضاء، وجمعه أحكام، وقد حَكَمَ عليه بالأمر حُكمًا وحكومةً، وحَكَمَ بينهم كذلك. والحاكم: منفذ الحكم، كـ "الحَكَم"، وجمعه حُكّام. وحاكمه إلى الحاكم: دعاه وخاصمه. وحكّمه في الأمر تحكيمًا: أمره أن يحكم فاحتكم. وتحكّم: جاز فيه حكمه.
وحتى أقرب مفردة للفظة "الحاكمية" -وهي مفردة "الحُكامية"- فهي تدل لغةً على اسم علم تاريخي لنخل لبني حُكام باليمامة. فـ "الحُكم" أصله مَنْعٌ للإصلاح (أو المَنْعُ للإصلاح)، ومنه سُميت لجام الدابة "حَكَمةً"؛ فقيل: حَكَمته، وحَكَمْتُ الدابة: منعتها بالحكمة. والْحُكْمُ أيضًا: العلم والفقه والقضاء بالعدل؛ فالحكم بالشيء أن تقضي بأنه كذا أو ليس بكذا، سواء ألزمتَ ذلك غيرك أو لم تلزمه، فإذا قيل "حُكْمٌ بالباطل" فمعناه أجرى الباطل مجرى الحكم.
والحُكم أعم من الحكمة؛ فكل حكمة حُكم وليس كل حُكم حكمةً؛ فالحكمة إصابة الحق بالعلم والعقل. والحكمة من الله تعالى: معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الإحكام، ومن الإنسان: معرفة الموجودات وفعل الخيرات، أو معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويشترط فيها الجمع بين العلم والعمل.
فلا يُسمى الرجل حكيمًا حتى يجمعهما. والحكمة أيضًا: القضاء، والعدل، والعلم، والحلم، والنبوة، والقرآن، والإنجيل. ومادة "الحُكم" أيضًا من الإحكام وهو الإتقان، واحتكم الأمر واستحكم؛ أي وثُق. وسورة محكمة: غير منسوخة؛ فالمُحكم ما لا يُعرض فيه لشبهة من حيث اللفظ ولا من حيث المعنى. ويقال "حاكم" و"حُكّام" لمن يحكم بين الناس، و"الحَكَم" المتخصص بذلك، فهو أبلغ، ويقال للجمع والواحد، ويقال للرجل المسن أيضًا. و"الحكيم" يجوز أن يكون بمعنى الحاكم. وفي أسماء الله: "الحَكَم" و"الحكيم"، وهي بمعنى الحاكم.
. وحين يتأمل المرء في مآلات هذا الفكر، يطالعه وجهٌ من أوجه السخرية التاريخية المريرة؛ فتلك المفارقة الفلسفية والسياسية التي يقف عندها الباحثون طويلاً تتمثل في أن أبا الأعلى المودودي -الذي أمضى عمره يحذر البشر ويرعد ويزبد بأن «أي تشريع بشري أو برلماني هو كفر بواه وشرك صراح ما لم يصدر حرفياً عن الحاكمية الإلهية المطلقة»- عاد بنفسه ليخوض غمار تلك الآليات الوضعية ذاتها! لقد قبل أن يجلس تحت قبة مجالس نيابية تُسن فيها القوانين بالتصويت البشري، وبأغلبية الأصوات والأعراف السياسية المعتادة، بل وساوم وفاوض الساسة العلمانيين وأهل العسكر -كذو الفقار علي بوتو وغيره- في كواليس الدولة الوطنية الحديثة التي طالما رموا شرعيتها بالبطلان.
من هنا.. يسقط القناع عن ذلك "الخطاب العالي"، ليراه المنصفون على حقيقته؛ أداة تعبئة أيديولوجية هجومية شرسة استُخدمت للضغط السياسي وبلوغ مقاعد السلطة، فإذا ما حمي الوطيس واختبرت السياسة الواقعية قسوتها، سقطت المطلقات النظرية في اختبار التجربة، واضطر دعاتها صاغرين إلى الدخول في ذات التسويات، وممارسة العمل البرلماني الوضعي الذي طالما كفروه وحاربوه في كتبهم وخطبهم العصماء!
وحين روج سيد قطب للمصطلح الزائف اعتمد بصورة أساسية وجوهرية على شطر الآية الكريمة: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، ليتخذ منها حجر الزاوية في تنظيره لـ "فكرة الحاكمية"، مسبغاً عليها من التأويلات الموسعة ما بُنيت عليه منظومته الأيديولوجية الكاملة برمتها. لقد انطلق قطب في تفسيره (في ظلال القرآن) ومانفيستوه الحركي (معالم في الطريق) ليقرر أن عبارة "إن الحكم إلا لله" تعني بقطع النظر أن التشريع والسلطة هما "خصيصة الألوهية الأولى"، وبناءً عليه، جزم بأن عقيدة "لا إله إلا الله" لا يصح إسلامها ولا يستقيم توحيدها إلا بإفراد الله بالحاكمية المطلقة في كل شؤون الحياة السياسية والتشريعية والاجتماعية.
ولم يقف عند هذا الحد؛ بل قادت هذه المقدمة المتطرفة إلى نتيجة أشد خطورة، وهي مساواة أي تشريع بشري بـ "الشرك بالله". فجعل حق سن القوانين أو وضع الدساتير لأي جهة بشرية -سواء كان برلماناً، أو أمة، أو حزباً، أو حاكماً- منازعة صريحة للخالق في خصائص ألوهيته، ومن ثمّ اعتبر ذلك شركاً مخرجاً من الملة! ومن رحم هذا التفسير، تخلّقت نظريته الشهيرة في "الجاهلية الحديثة"؛ حيث قسّم المجتمعات البشرية قاطبة ودولها إلى فسطاطين لا ثالث لهما: إما مجتمعات تحكم بما يسميه حاكمية الله كاملة، وإما مجتمعات "جاهلية" مارقة تنحاز لحاكمية البشر، مسلطاً هذا المعيار الإقصائي على كافة النظم المعاصرة.
ولأن العقل الأيديولوجي يقتطع الآيات من سياقها التاريخي والموضوعي ليصنع منها صداماً مع الحياة، فإن المفارقة الكبرى تكمن في قصة نبي الله يوسف عليه السلام نفسه؛ ذلك النبي الكريم الذي أورد القرآن الكريم على لسانه الآية الكريمة: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ .
فالمنطق العقلاني والتدبر البصير لسيرة يوسف -كما يرويها النص القرآني ذاته- يكشف عن عكس ما يروّجه دعاة الانغلاق تماماً. لقد عرض يوسف عليه السلام نفسه للعمل في دولة عزيز مصر (فرعون وقومه)، فقال بوضوح وصراحة: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾. لم يقل إني أقبل الوزارة بشرط هدم مؤسسات الدولة، أو الهجوم على قوانينها العرفية، أو إعلان التكفير على مجتمعها، بل انخرط في إدارة أزماتها الاقتصادية وحماية شعبها من المجاعة، مطبقاً من القوانين والأنظمة الإدارية ما ينسجم مع واقع الدولة والمنظومة السائدة آنذاك—حتى إن القرآن الكريم نفسه يصرح بذلك في قوله: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾—أي في قانون ملك مصر ونظامه البشري!
ولم يكتفِ يوسف عليه السلام بالمشاركة السياسية والإدارية في قلب هذه الدولة، بل اندمج في نسيجها الاجتماعي إلى الحد الذي تشير إليه المرويات والتفاسير التاريخية بزيجته من ابنة كاهن أون (كاهن معبد الشمس)، ليؤسس بذلك نموذجاً راقياً للبناء والشراكة الإنسانية وحفظ مصالح العباد.
إن هذه السيرة العطرة تؤكد أن "الحكم لله" لم تكن يوماً تعني القطيعة مع الواقع، ولا التخريب، ولا الامتناع عن إدارة شؤون الحياة بالقوانين والأنظمة البشرية النافعة، بل كانت دوماً تعني أن النفع العام، وإقامة العدل، وحماية أرواح الناس، هي الجوهر الحقيقي لمراد الله في أرضه!
فهذا الاستخدام المتعسف للغة، واشتقاق مفردة "الحاكمية" من غير أصل لغوي صحيح، يؤكد أن توظيف سيد قطب لمفردة الحاكمية كمقابل عربي لكلمة (Governance) -التي استخدمها أبو الأعلى المودودي في تأسيسه لخطاب الجماعة الإسلامية في الهند- لم يكن سوى توظيف قسري ومصطنع؛ فلفظ الحاكمية من حيث الصياغة النحوية واللغوية ليس له أي أصل في المعاجم العربية.
وحتى عند أي محاولة يائسة لرده إلى الجذر العربي الأصيل (ح ك م)، يظل لفظ "حاكمية" غريباً تماماً ومعدوم الوجود في لغة العرب. وبما يجعل من استخدام هذا اللفظ المستحدث للتأسيس لنظرية كبرى في الحكم والتشريع والإيمان شكلاً صارخاً من أشكال التلاعب بمفاهيم اللغة، وتحميل أوعيتها ما لا تحتمل عقلاً ولا منطقاً، لتبنى على أساسٍ هشّ صرحٌ من الصدام والدم.