ads
ads

السيد الخطاري يكتب: الإعلام النقال.. حين أصبح العالم غرفة أخبار في جيب كل إنسان

السيد الخطاري
السيد الخطاري

لم يعد الهاتف المحمول مجرد وسيلة لاستقبال الأخبار أو متابعة الأحداث، بل تحول إلى منظومة إعلامية متكاملة أعادت تشكيل صناعة المحتوى، وغيّرت قواعد العلاقة بين المؤسسة الإعلامية والجمهور.

فنحن لا نتحدث هنا عن انتقال الصحافة من شاشة التلفزيون إلى شاشة الهاتف، وإنما عن تحول أعمق يمس فلسفة الإنتاج الإعلامي، ومصادر المعلومات، وآليات التأثير، وطبيعة الجمهور نفسه.

وأنا أقصد هنا بالإعلام النقال توظيف الأجهزة المحمولة، وفي مقدمتها الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية، في إنتاج المحتوى الإعلامي وتحريره ونشره وتداوله واستهلاكه، بالاستفادة من الاتصال الدائم بالإنترنت والتطبيقات الرقمية وتقنيات البث المباشر وتحديد المواقع.

غير أن أهميته الحقيقية لا تكمن في الأداة، وإنما في النموذج الاتصالي الجديد الذي أوجده؛ حيث لم يعد الجمهور مجرد متلقٍ للرسالة، بل أصبح مشاركًا في إنتاجها وتوثيقها وإعادة توزيعها.

ومن أبرز التحولات التي أحدثها هذا النموذج انتقال مركز الثقل الإعلامي من المؤسسة إلى الفرد، فالهاتف الذي يحمله أي شخص بات قادرًا على أداء وظائف كانت تتطلب في السابق فريقًا صحفيًا وكاميرات ومعدات بث ووحدات مونتاج.

وأصبحت لحظة وقوع الحدث قابلة للتحول إلى مادة إعلامية تصل إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق. لكن هذه اللامركزية، رغم أهميتها، لا تعني انتهاء دور المؤسسات، بل تفرض عليها البحث عن قيمة مضافة تتجاوز سرعة النشر إلى دقة المعلومات وعمق التحليل والمصداقية.

وتتجه صناعة الإعلام النقال حاليًا نحو مجموعة من التحولات النوعية، أبرزها صعود الفيديو العمودي والمحتوى القصير المصمم خصيصًا لسلوك مستخدمي الهواتف، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في التحرير والترجمة والتلخيص وتحليل اتجاهات الجمهور، فضلًا عن تنامي الصحافة الفردية وصناعة المحتوى القائمة على الشخصيات والخبرات المهنية.

كما يتقدم نموذج الإعلام متعدد الصيغ، الذي يعيد تقديم القصة الصحفية الواحدة في صورة فيديو وبودكاست وتقرير مكتوب وإنفوجراف وبث مباشر، بما يضمن الوصول إلى شرائح مختلفة من الجمهور.

والأكثر أهمية أن الإعلام النقال بات يتجه نحو التخصيص؛ فلم يعد الهدف تقديم الرسالة نفسها للجميع، وإنما بناء تجربة إعلامية تتكيف مع اهتمامات المستخدم واحتياجاته، وهو تحول يطرح تساؤلات جوهرية حول دور الخوارزميات في تشكيل الوعي العام، وحدود الخصوصية، واحتمالات عزل الجمهور داخل دوائر معلوماتية متشابهة.

وفي المقابل، تفرض هذه التحولات تحديات مهنية وأخلاقية متزايدة، تتقدمها الأخبار المضللة، وصعوبة التحقق من الصور والفيديوهات، وانتشار المحتوى المصطنع وتقنيات التزييف العميق، فضلًا عن ارتهان المؤسسات لخوارزميات المنصات الرقمية التي تتحكم بدرجة كبيرة في وصول المحتوى إلى الجمهور.

إن الرهان الحقيقي لم يعد في امتلاك هاتف أكثر تطورًا أو إنتاج فيديو أسرع، وإنما في القدرة على تحويل التكنولوجيا إلى معرفة موثوقة وتأثير مسؤول.

فالمؤسسة الإعلامية التي ستنجح مستقبلًا ليست الأكثر حضورًا على الهواتف، بل الأكثر قدرة على فهم الإنسان الذي يقف خلف الشاشة.

وهنا تتجلى الحقيقة الأهم من وجهة نظري والتي مفادها أن الإعلام النقال لا يغير فقط طريقة وصول الأخبار إلينا، بل يعيد تشكيل الطريقة التي نفهم بها العالم ونشارك في صناعته.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً