حضرت أمس اجتماع وزير الدولة للإعلام الدكتور ضياء رشوان مع مسؤولي المواقع الإلكترونية المرخصة، واستمعت مثل غيري إلى ما دار في الاجتماع من بدايته إلى نهايته.
ولهذا استوقفني كثيرًا ما قرأته بعد انتهاء الاجتماع، ليس لأن هناك اختلافًا في تفسير تصريح هنا أو عبارة هناك، وإنما لأن بعض ما جرى تداوله أخذ النقاش إلى منطقة مختلفة تمامًا عن تلك التي دار حولها الاجتماع.
دعونا أولًا نضع الأمور في سياقها الصحيح.
الاجتماع خُصص لمناقشة المشكلات التي تواجه المؤسسات والمواقع الإلكترونية، واستمع الوزير إلى مسؤولي عدد كبير من المواقع، وتنوع الحضور بين رؤساء تحرير ومديري تحرير ورؤساء مجالس إدارات ومسؤولين عن إدارة العمل داخل هذه المؤسسات.
والحقيقة أن ضياء رشوان استمع للجميع بصدر رحب، وكانت ردوده في معظمها مباشرة ومختصرة، والأهم أنه حاول البحث عن حلول عملية للمشكلات التي طُرحت أمامه.
وكان من بين ما طرحه الحضور مشكلات الترخيص وتجديده، والأعباء المالية التي تواجه المواقع، وصعوبة التمويل، وعدد من المشكلات التنظيمية والمؤسسية التي يعاني منها هذا القطاع.
ومن هنا جاءت فكرة تحدث عنها الوزير باعتبارها اقتراحًا: لماذا لا تتواصل المؤسسات الإلكترونية فيما بينها؟ ولماذا لا يجتمع مسؤولوها لمناقشة المشكلات المشتركة وصياغة مقترحات محددة لحلها؟ وأن يكون هناك إطار مؤسسي يجمع المؤسسات نفسها وليس العاملين فيها كأفراد، على غرار الغرف التي تمثل قطاعات مختلفة، بحيث تطرح المواقع مشكلاتها وتقترح حلولها، وتساعد وزارة الإعلام فيما تستطيع من تواصل وتنظيم مع مؤسسات الدولة والجهات المعنية.
هذا هو السياق الذي سمعت فيه الكلام.
ولم أسمع في الاجتماع دعوة من ضياء رشوان لإنشاء نقابة جديدة للصحفيين، ولم أسمعه يدعو إلى كيان ينافس نقابة الصحفيين أو ينتزع منها اختصاصًا، ولم يكن الحديث أصلًا عن تنظيم عضوية الصحفيين أو منح صفة نقابية للعاملين بالمواقع.
بل حدث العكس.
عندما انتقل بعض الحضور إلى الحديث عن قيد العاملين بالمواقع الإلكترونية في نقابة الصحفيين، رفض الوزير الخوض في هذا الملف، وأوضح أن الاجتماع ليس مخصصًا لمناقشته، وأن قضية النقابة والقيد لها سياقها وقوانينها وأطرها، ويمكن تخصيص نقاش آخر لها.
وهنا يصبح السؤال ضروريًا:
كيف تحول اقتراح بإنشاء إطار يجمع المؤسسات لمناقشة مشكلاتها التنظيمية الخاصة بالتراخيص والتمويل، إلى حديث عن إنشاء كيان موازٍ لنقابة الصحفيين؟
هناك فارق كبير بين الاثنين.
فالمؤسسة شيء، والعاملون فيها شيء آخر.
والحديث عن كيان يجمع مؤسسات إلكترونية لمناقشة الترخيص والتمويل والمشكلات التنظيمية التي تواجه نشاطها لا يعني إنشاء نقابة للعاملين فيها، ولا يعني منح العضوية الصحفية لأحد، ولا سحب اختصاص من نقابة الصحفيين.
ولهذا فإن الخلاف الذي اندلع بعد الاجتماع يبدو في جزء كبير منه خلافًا حول ما نُسب إلى الاجتماع وليس ما دار داخله بالفعل.
والأغرب أن ذلك حدث في اجتماع كان من بين أبرز ما جرى التشديد عليه خلاله ضرورة تحري الدقة، وألا يتحول السباق على النشر إلى سبب في خروج المعلومة مبتورة أو خارج سياقها.
ثم جاءت نقطة أخرى لا تقل غرابة.
تابعت تساؤلات من بعض أعضاء مجلس نقابة الصحفيين حول صفة بعض الحاضرين: فلان حضر بصفته إيه؟ وفلان يمثل الموقع على أي أساس؟ وهل هو عضو بنقابة الصحفيين أم لا؟
وهنا أقولها بوضوح... سؤالك سيئ النية!
ليس لأنه سؤال يخص شخصًا بعينه، ولكن لأنه يحمل في داخله تقليلًا من احترام ممارسي العمل الصحفي داخل المواقع الإلكترونية، وكأن العمل الصحفي لا يبدأ إلا من اللحظة التي يحصل فيها صاحبه على كارنيه نقابة الصحفيين.
وهذا شيء أعتقد أنك تحتاج إلى مراجعة نفسك فيه.
خصوصًا إذا كنت أنت نفسك قد مارست العمل الصحفي يومًا، وعرّفت نفسك باعتبارك صحفيًا، ومارست المهنة وكتبت ونشرت، قبل أن تحصل على عضوية نقابة الصحفيين.
فبأي منطق يصبح ما كان مقبولًا لك قبل حصولك على كارنيه النقابة سببًا اليوم للتشكيك في صفة غيرك المهنية؟
الكارنيه يثبت العضوية في نقابة الصحفيين ويمنح الحقوق المترتبة عليها، وهذه قيمة قانونية ونقابية لا خلاف عليها. لكن ممارسة العمل الصحفي على أرض الواقع مسألة أخرى، ولا يمكن محو آلاف العاملين في المواقع الإلكترونية بجملة: «هو عضو نقابة ولا لأ؟» حتى يكون له صفة! ولا يحق لك مناقشة الأمر من الأساس، فالعمل الصحفي داخل المواقع الإلكترونية لا يخضع لمعايير نقابة الصحفيين.
هناك صحفيون ومحررون ومديرو تحرير ورؤساء تحرير ومسؤولون يديرون مؤسسات تنتج كل يوم أخبارًا وتقارير وتحقيقات ومحتوى صحفيًا يعتمد عليه الجمهور، وبعض هذا المحتوى يصبح نفسه مصدرًا للمعلومة والنقاش العام.
فهل نتجاهل كل ذلك لأن صاحبه لم يحصل بعد على كارنيه النقابة؟
والأهم: إذا كان الاجتماع من الأساس اجتماعًا لمسؤولي مواقع إلكترونية مع وزارة الإعلام لمناقشة مشكلات هذه المؤسسات، فما علاقة عضوية النقابة بحق مسؤول المؤسسة في حضور اجتماع يمثل فيه مؤسسته؟
السؤال الصحيح هنا ليس: هل يحمل كارنيه النقابة؟
السؤال الصحيح: هل يمثل المؤسسة التي دُعيت إلى الاجتماع؟ وهل يمارس العمل الصحفي؟ وماذا حققت مؤسسته؟
وهنا تحديدًا يصبح السؤال عن «صفة الحضور» بهذه الطريقة غير مفهوم، لأن الاجتماع لم يكن اجتماعًا للجمعية العمومية لنقابة الصحفيين، ولم يكن اجتماعًا لمجلس النقابة، ولم يكن اجتماعًا تشترط المشاركة فيه عضوية النقابة.
ومن ثم فإن تحويل عضوية النقابة إلى معيار لتحديد من يحق له تمثيل مؤسسة إلكترونية أمام الجهات المعنية يخلط بين أمرين مختلفين تمامًا.
والأكثر تناقضًا أن هناك داخل الوسط النقابي نفسه أصواتًا تطالب منذ سنوات بالبحث عن مظلة تحمي الصحفيين العاملين في المواقع الإلكترونية، وهناك حديث معلن عن ضرورة التعامل مع واقع أصبح فيه عدد كبير من ممارسي الصحافة الرقمية خارج المظلة النقابية.
فلا يستقيم أن نطالب بحماية هؤلاء لأنهم يمارسون الصحافة، ثم عندما يصبح أحدهم مسؤولًا أو مديرًا أو قائدًا للعمل الصحفي داخل مؤسسة نسأله باستخفاف: وأنت حضرت بصفتك إيه؟
إما أن نعترف بأن هناك أزمة حقيقية لآلاف المشتغلين بالصحافة الإلكترونية تستحق الحل، وإما أن ننكر وجودهم المهني من الأساس.
أما الجمع بين الموقفين في وقت واحد فهو تناقض يحتاج أصحابه إلى مراجعته.
والعمل الصحفي، في النهاية، لا يصنعه الكارنيه وحده.
الكارنيه يمنح العضوية النقابية وحقوقها، أما الصحفي فيصنعه أيضًا ما يقدمه من عمل، وما يتحمله من مسؤولية، وما ينتجه داخل مؤسسته، ومدى التزامه بقواعد المهنة.
والدفاع عن اختصاصات نقابة الصحفيين حق، بل واجب على مجلسها، لكن الدفاع عن النقابة لا يعني توسيع اختصاصها ليشمل اجتماعات لم تكن النقابة طرفًا فيها، ولا تحويل نقاش تنظيمي يخص المؤسسات الإلكترونية إلى معركة لم يعلنها أحد ضد النقابة.
كما أن الاعتراض على أي محاولة حقيقية لإنشاء كيان نقابي موازٍ أمر مختلف تمامًا عن افتراض أن كل تنظيم مؤسسي للمواقع الإلكترونية هو بالضرورة كيان نقابي موازٍ.
الخلط بين الاثنين لا يحمي النقابة، ولا يحل أزمة المواقع، ولا يحمي الصحفيين العاملين بها.
لقد كنت حاضرة في الاجتماع، وما سمعته كان محاولة لفتح حوار حول مشكلات حقيقية تواجه المؤسسات الإلكترونية: الترخيص وتجديده، التمويل، المشكلات التنظيمية، وكيف تستطيع هذه المؤسسات أن تتحدث بصورة منظمة أمام الجهات المعنية، وما الدور الذي يمكن أن تقوم به وزارة الإعلام في التواصل مع مؤسسات الدولة والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام للمساعدة في حل هذه المشكلات.
أما نقابة الصحفيين والقيد فيها وشروط العضوية وقوانينها ولوائحها، فهذا ملف آخر تمامًا، رفض الوزير رفضًا قاطعًا مجرد الحديث فيه.
ولذلك فإن ضياء رشوان هنا يحتاج إلى الإنصاف قبل أن يحتاج إلى الدفاع.
يمكن أن نختلف معه، ويمكن أن نناقش اقتراحه، ويمكن لأصحاب المواقع أنفسهم أن يقبلوا فكرة الإطار المؤسسي أو يرفضوها أو يعدلوها.
لكن لا يصح أن نحاكم وزير الدولة للإعلام على اقتراح لم يطرحه، ولا أن ننسب إليه دعوة لإنشاء كيان نقابي موازٍ بينما كان الحديث عن المؤسسات ومشكلاتها، وليس عن إنشاء نقابة للأفراد.
وأخيرًا، ربما يكون ما حدث بعد الاجتماع دليلًا عمليًا على واحدة من أهم المشكلات التي نوقشت داخله، وهو أن المعلومة حين تخرج من سياقها قد تصنع أزمة لم تكن موجودة من الأساس.
وقبل أن نسأل: من حضر الاجتماع وبأي صفة؟
ربما علينا أولًا أن نسأل:
ماذا قيل فعلًا داخل الاجتماع.. وبأي دقة وأمانة نقلناه؟