تشهد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أخطر موجات التصعيد العسكري والسياسي منذ سنوات، في ظل تقارير متزايدة عن استعدادات أمريكية واسعة النطاق، وضغوط يمارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مستشاريه من أجل بلورة خيارات عسكرية «حاسمة» ضد إيران، ويأتي هذا التصعيد في توقيت بالغ الحساسية، مع إعادة تموضع غير مسبوقة للقوات الأمريكية في الخليج، وتكثيف الحضور البحري والجوي قرب مضيق هرمز، الشريان الحيوي لتجارة الطاقة العالمية، وبين سيناريو الضربة المحدودة، واحتمالات المواجهة الإقليمية الواسعة، تلوح في الأفق تداعيات عسكرية واقتصادية خطيرة قد تتجاوز حدود المنطقة، لتطال استقرار الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، ما يجعل العالم يقف على حافة واحدة من أخطر الأزمات الجيوسياسية في العقد الأخير.
خيارات عسكرية حاسمة
أفادت صحيفة وول ستريت جورنال أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يضغط على مستشاريه من أجل خيارات عسكرية «حاسمة» ضد إيران، وذلك بعد تراجعه عن توجيه ضربات الأسبوع الماضي، نقلاً عن مسؤولين أميركيين.
وتأتي هذه المناقشات في وقت تعيد فيه الولايات المتحدة تموضع أصولها العسكرية، مع إشارة البيت الأبيض إلى أن ترامب لا يزال بإمكانه الموافقة على توجيه ضربات ضد إيران.
وبحسب الصحيفة، استخدم ترامب مراراً كلمة 'حاسمة' لوصف التأثير الذي يريد أن تحدثه أي خطوة أميركية. وقد دفع هذا الوصف مساعديه إلى تنقيح خيارات تتراوح بين ضربات محدودة تستهدف مواقع تابعة للحرس الثوري الإيراني، وسيناريوهات تهدف إلى ممارسة ضغط أكبر، في وقت تحركت فيه حاملة الطائرات **يو إس إس أبراهام لينكولن** باتجاه الشرق الأوسط.
وقال مسؤولون للصحيفة إن ترامب لم يصدر أمراً بتنفيذ ضربات حتى الآن، وإن قراره لا يزال غير واضح، وتأتي هذه النقاشات المستمرة بالتزامن مع تعزيز واشنطن لقواتها في المنطقة بهدف توسيع خيارات توجيه الضربات المحتملة.
القوة الجوية لا تكفي لإسقاط ايران
وقال مسؤولون سابقون وخبراء إن القوة الجوية وحدها قد لا تكون كافية لإسقاط نظام أجنبي، ونقلت الصحيفة عن الفريق المتقاعد في سلاح الجو الأميركي ديفيد ديبتولا قوله إن الخيارات العسكرية قد تردع بعض سلوكيات النظام خلال حملة قمع لحقوق الإنسان، لكن تغيير النظام سيتطلب عمليات جوية وبرية كبيرة.
ومع بحث الخطوات التالية، سارعت القوات الأميركية إلى إرسال المزيد من الأصول العسكرية إلى المنطقة. فقد هبطت مقاتلات أميركية من طراز F-15E في الأردن يوم الأحد، كما تم رصد حاملة الطائرات أبراهام لينكولن، يرافقها مدمرات ومقاتلات F-35 وطائرات أخرى، وهي تبحر غرباً من بحر الصين الجنوبي باتجاه الخليج العربي.
وقالت الصحيفة إن نشر حاملة الطائرات والمقاتلات F-15E يوسّع خيارات توجيه الضربات، في حين تعزز منظومات باتريوت وثاد (THAAD) الدفاعات في الشرق الأوسط، وأضاف مسؤولون أميركيون أن مزيداً من أنظمة الدفاع الجوي سيجري إرسالها إلى المنطقة، ما يمنح الولايات المتحدة خيارات أوسع مع استمرار التنسيق الإقليمي.
حشد عسكري أمريكي واسع
بحسب تقارير نشرتها صحيفتا Jerusalem Post وPolitico، رفعت الولايات المتحدة مستوى جاهزيتها العسكرية في الشرق الأوسط إلى أعلى درجاته، حيث نشرت:
ما بين 70 إلى 90 ألف جندي أمريكي في قواعد ممتدة من الخليج إلى العراق وسوريا، ومن 2 إلى 3 حاملات طائرات مدعومة بمدمرات وفرقاطات هجومية.
و20 إلى 30 سفينة حربية في مضيق هرمز وبحر العرب، كما تم نشر بطاريات دفاع صاروخي إضافية من طراز باتريوت وTHAAD في الخليج والعراق.
وتم تعزيز قواعد جوية استراتيجية بطائرات F-35 وB-52 القادرة على تنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى، وتركّز هذا الحشد بشكل خاص في مناطق قريبة من مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 21 مليون برميل نفط يوميًا، أي ما يعادل 21% من تجارة النفط العالمية.
حملة جوية كبيرة على إيران
وبحسب وول ستريت جورنال، فإن أي حملة جوية كبيرة داخل إيران من المرجح أن تشمل طائرات شبحية مثل مقاتلات 'F-35 وقاذفات B-2، إضافة إلى غواصات تطلق صواريخ كروز، وحتى الآن، لم يُرصد توجه أي مقاتلات F-35 تابعة لسلاح الجو الأميركي إلى الشرق الأوسط.
وأفادت الصحيفة أنه عندما كانت الإدارة الأميركية تدرس توجيه ضربة الأسبوع الماضي، لم تكن الولايات المتحدة تمتلك أصولاً كافية ولا دفاعات جوية كافية في المنطقة لدعم عملية قصف مستدامة أو لحماية القوات الأميركية والحلفاء من رد انتقامي، وذلك وفقاً لمسؤولين أميركيين وحلفاء أبلغوا ترامب بذلك، كما أعربت إسرائيل عن مخاوف بشأن دفاعاتها، بعد استنزاف مخزون صواريخ الاعتراض خلال حربها التي استمرت 12 يوماً مع إيران العام الماضي، بحسب ما قاله مسؤولون.
التداعيات الاقتصادية الخطيرة
أي اضطراب أو إغلاق جزئي لمضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو 21 مليون برميل نفط يوميًا تمثل قرابة 21% من تجارة النفط العالمية وقرابة 30% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، ستكون له تداعيات فورية وعنيفة على الاقتصاد العالمي.
وتشير تقديرات بنوك استثمار عالمية مثل Goldman Sachs وJ.P. Morgan إلى أن أي تعطيل للملاحة في المضيق قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط بنسبة 60–100% خلال أيام، وقفز سعر البرميل من متوسط 75–85 دولارًا إلى 130–150 دولارًا، وقد يتجاوز 180 دولارًا في حال استمرار الأزمة، ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال عالميًا بنسبة 70–120%، خصوصًا في الأسواق الآسيوية والأوروبية.
وبحسب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي فإن كل ارتفاع بمقدار 10 دولارات في سعر النفط يؤدي إلى خفض النمو الاقتصادي العالمي بنحو 0.15–0.2%، ورفع معدلات التضخم العالمية بنحو 0.3–0.5 نقطة مئوية، وفي حال وصول النفط إلى 150 دولارًا قد يتراجع النمو العالمي بنحو 0.8–1.2%، وترتفع معدلات التضخم عالميًا بنحو 2–3 نقاط مئوية.
زيادة تكاليف الشحن والتأمين
تعطّل الملاحة في المضيق سيؤدي إلى:
زيادة أقساط التأمين البحري بنسبة تتجاوز 300–400% على السفن المارة بالخليج.
ارتفاع تكاليف الشحن العالمية بنسبة 35–60%.
ارتفاع تكلفة نقل برميل النفط الواحد بنحو 5–8 دولارات إضافية.
تعطّل نحو 15% من حركة التجارة البحرية العالمية بشكل مباشر أو غير مباشر.
اضطراب سلاسل الإمداد
التصعيد سيؤدي إلى تعطل إمدادات الطاقة للصناعات الثقيلة والبتروكيماويات، وارتفاع أسعار الغذاء عالميًا بنسبة 15–25% بسبب زيادة تكاليف النقل والطاقة والأسمدة، واضطرابات في سلاسل توريد:
الأدوية
الإلكترونيات
السيارات
الأسمدة
الحبوب
الخسائر الاقتصادية المتوقعة
تقديرات مراكز أبحاث اقتصادية غربية تشير إلى أن أسبوع واحد من تعطّل الملاحة في مضيق هرمز قد يكلّف الاقتصاد العالمي 120–180 مليار دولار، وشهر واحد من الأزمة قد يرفع الخسائر إلى 500–700 مليار دولار، في حال تطورت الأزمة إلى مواجهة مفتوحة، قد تصل الخسائر إلى 1–2 تريليون دولار خلال عدة أشهر، كما ستهبط مؤشرات البورصات العالمية بنسبة 10–20%، وتتراجع العملات الناشئة بنسبة 8–15%.
القدرات العسكرية الإيرانية
في المقابل، تمتلك إيران واحدة من أكبر الترسانات الصاروخية في الشرق الأوسط، حيث تشير تقديرات مراكز أبحاث عسكرية غربية إلى امتلاك طهران أكثر من 3 آلاف صاروخ باليستي متوسط وقصير المدى، وما يزيد على ألف طائرة مسيّرة هجومية، شبكة واسعة من الميليشيات الحليفة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وزوارق هجومية سريعة وألغام بحرية قادرة على شل الملاحة في مضيق هرمز خلال ساعات، ويرى خبراء أن أي مواجهة مباشرة لن تقتصر على ضربة محدودة، بل قد تتحول إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات تشمل الخليج والعراق وسوريا ولبنان واليمن.
السيناريوهات العسكرية المحتملة
تشير التقديرات الغربية إلى أن التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران قد يسير وفق ثلاثة سيناريوهات رئيسية، يبدأ أولها بـضربة عسكرية محدودة تستهدف منشآت نووية أو قواعد صاروخية إيرانية، في عملية قد تستغرق ما بين 48 و72 ساعة، وتُخلّف خسائر اقتصادية فورية تتراوح بين 300 و500 مليار دولار عالميًا. أما السيناريو الثاني، فيتمثل في مواجهة إقليمية واسعة تشمل اشتباكات مباشرة في الخليج والعراق وسوريا ولبنان، مع احتمال إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز جزئيًا أو كليًا، وهو ما قد يدفع أسعار النفط إلى الارتفاع لمستويات تتراوح بين 130 و150 دولارًا للبرميل، ويتسبب في خسائر اقتصادية عالمية تتراوح بين 1 و2 تريليون دولار خلال أسابيع قليلة. بينما يُعد السيناريو الثالث الأخطر، ويتمثل في حرب شاملة طويلة الأمد تؤدي إلى شلل واسع في الاقتصاد العالمي، وتصاعد حاد في معدلات التضخم، ودخول الولايات المتحدة وأوروبا في موجة ركود اقتصادي محتمل، فضلًا عن انهيارات حادة في أسواق المال العالمية، بما يعيد إلى الأذهان أسوأ الأزمات الاقتصادية خلال العقود الماضية.