ads
ads

هل ستتأثر قناة السويس؟.. إغلاق مضيق هرمز يضع العالم أمام اختبار اقتصادي صعب

مضيق هرمز
مضيق هرمز

في لحظة إقليمية شديدة الاشتعال، لم تعد الضربات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد تطور ميداني عابر، بل تحولت إلى زلزال جيوسياسي يهدد بإعادة رسم خريطة الطاقة العالمية.

فمع تصاعد الحرب واتساع نطاق الردود، برز اسم مضيق هرمز مجددًا كأخطر نقطة اختناق في العالم، حيث تتقاطع المصالح الاستراتيجية مع شرايين الاقتصاد الدولي. أي تحرك لإغلاق هذا الممر الحيوي لا يُقرأ فقط كرسالة عسكرية، بل كإعلان دخول الأسواق العالمية في مرحلة صدمة قد تعيد سيناريوهات أزمات النفط الكبرى.

الحرب الدائرة لم تعد محصورة في تبادل الضربات أو استهداف منشآت بعينها، بل امتدت إلى ساحة أكثر حساسية وهو أمن الطاقة.

ومع تعليق شركات نفط كبرى شحناتها وتباطؤ حركة الناقلات قرب المضيق، أصبح التهديد نظريًا أقل، وواقعيًا أكثر حضورًا. فكل صاروخ يسقط في المنطقة ينعكس فورًا على شاشات التداول في لندن ونيويورك وآسيا، وكل تهديد بإغلاق المضيق يترجم إلى توقعات بارتفاع الأسعار، وزيادة التضخم، واحتمال ركود اقتصادي عالمي.

بهذا المعنى، لا يمكن فصل أزمة مضيق هرمز عن الحرب الجارية، فالمضيق هو الورقة الأثقل في يد طهران، والرهان الأخطر في حسابات واشنطن وتل أبيب. وإذا تحولت التهديدات إلى خطوة فعلية، فإن المواجهة لن تبقى عسكرية فقط، بل ستصبح حربًا اقتصادية مفتوحة، تدفع ثمنها الأسواق العالمية قبل أطراف الصراع أنفسهم.

لماذا يعد مضيق هرمز مهما؟

يربط مضيق هرمز الخليج بالمحيط الهندي، ويقع بين إيران وجيب مسندم العُماني. ويبلغ عرضه نحو 50 كيلومترًا فقط، ولا يتجاوز عمقه 60 مترًا في بعض المناطق، ما يجعله عرضة بشدة للاضطرابات العسكرية.

ووفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، يُعد المضيق “أحد أهم نقاط اختناق النفط في العالم”.

وقد مر عبره نحو 20 مليون برميل يوميًا في عام 2024، أي ما يعادل خُمس الاستهلاك العالمي من النفط.

كما يمر عبره نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، معظمها من قطر.

ويُوجه أكثر من 80% من شحنات النفط والغاز عبر المضيق إلى الأسواق الآسيوية.

ورغم امتلاك السعودية والإمارات بنية تحتية محدودة لتجاوز المضيق، فإن طاقتهما البديلة لا تتجاوز 2.6 مليون برميل يوميًا.

الأهمية الاستراتيجية والعسكرية

تنتشر في الممر جزر ذات أهمية استراتيجية، منها هرمز وقشم ولارك التابعة لإيران، إضافة إلى جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى المتنازع عليها، والتي تسيطر عليها إيران منذ عام 1971.

وتشرف على العمليات البحرية في الخليج والمضيق قوات الحرس الثوري الإيراني، التي هددت مرارًا بإغلاق الممر خلال فترات التوتر.

وكان قائد بحري بارز في الحرس الثوري قد جدد التهديد في يناير الماضي، محذرًا من الإغلاق في حال تعرض إيران لهجوم، وذلك قبل أسابيع من تنفيذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداته بعمل عسكري مرتبط بالبرنامج النووي الإيراني.

التداعيات على الأسواق العالمية

أدى تكدس السفن وتعليق الشحنات إلى تصاعد المخاوف من تعطل الإمدادات وارتفاع أسعار النفط والغاز.

ورغم استمرار بعض حركة الملاحة، يراقب المتداولون عن كثب ما إذا كان الرد الإيراني أو أي تصعيد عسكري إضافي قد يعطل الموانئ أو يؤدي إلى إغلاق أوسع لمضيق هرمز وهو سيناريو ستكون له تداعيات كبيرة على أسواق الطاقة العالمية.

المخاوف بشأن النفط

قال محللو بنك باركليز إن أسواق النفط قد تواجه “أسوأ مخاوفها”، متوقعين أن يصل سعر خام برنت إلى 100 دولار للبرميل.

وأشاروا إلى أن التأثير المحتمل على أسواق النفط يصعب المبالغة في تقديره.

وأوضح البنك أن المستثمرين ينبغي أن يتوقعوا اختبار مستوى 100 دولار للبرميل، وهو ما يمثل ارتفاعًا بنسبة 37% عند 67.02 دولار.

وقد يؤدي الارتفاع السريع في أسعار الطاقة إلى زيادة توقعات التضخم، مما قد يؤثر سلبًا على نشاط الأعمال وإنفاق المستهلكين.

وأشار بنك دويتشه إلى أن صدمة إيجابية في أسعار النفط ستؤثر ماديًا على توقعات التضخم ومخاطره، معتبرًا أن صدمة النفط تمثل خطرًا رئيسيًا على التوقعات الاقتصادية لعام 2026.

أما محللو جولدمان ساكس فكتبوا أن صراعًا جديًا مع إيران يمثل عقبة اقتصادية كبيرة، وقد يرفع خطر الركود بشكل حاد.

وأشار البنك إلى أن أسوأ سيناريو لديه يفترض وصول خام برنت إلى 110 دولارات للبرميل إذا أغلقت إيران مضيق هرمز لفترة طويلة.

أسهم الدفاع والطاقة قد ترتفع

شهدت الصراعات السابقة التي هددت إمدادات النفط ارتفاعًا قصير الأجل في أسهم شركات الطاقة، إضافة إلى مكاسب في أسهم قطاع الدفاع.

وصعد صندوق iShares الأمريكي لقطاع الطيران والدفاع بنسبة 14% في 2026، مدفوعًا بالتصعيد بعد الهجوم على فنزويلا ثم الحرب مع إيران.

كما ارتفع صندوق iShares للطاقة العالمية بنسبة 24% هذا العام مع تزايد المخاوف بشأن تعطل الإمدادات.

الذهب من أبرز المستفيدين

يُعد الذهب من أبرز المستفيدين من التوترات الحالية، وقد يشكل التصعيد مع إيران محفزًا جديدًا لمزيد من المكاسب.

كما قد يؤدي تحول المستثمرين إلى تجنب المخاطر إلى ارتفاع أسعار سندات الخزانة الأمريكية وانخفاض عوائدها.

إغلاق مضيق هرمز أو حتى تصاعد التهديد بإغلاقه يدفع أسعار النفط للارتفاع الحاد بسبب تعطل الإمدادات من الخليج، وهو ما ينعكس فورًا على معدلات التضخم عالميًا. ومع ارتفاع التضخم وتآكل القوة الشرائية للعملات، يتجه المستثمرون إلى الذهب باعتباره مخزنًا للقيمة وأداة تحوط تقليدية ضد ارتفاع الأسعار، ما يعزز الطلب عليه ويدعم صعوده.

كذلك، أي تصعيد عسكري في منطقة استراتيجية يخلق حالة ذعر في الأسواق المالية، تدفع المستثمرين للتخارج من الأصول عالية المخاطر مثل الأسهم، واللجوء إلى الملاذات الآمنة. وفي مثل هذه الأجواء، يستفيد الذهب بشكل مباشر لأنه يُنظر إليه كأصل آمن في أوقات الاضطرابات الجيوسياسية وعدم اليقين.

إضافة إلى ذلك، إذا أدى ارتفاع النفط إلى تباطؤ اقتصادي أو مخاوف ركود، فقد تتجه البنوك المركزية إلى تخفيف سياساتها النقدية أو تثبيت أسعار الفائدة. انخفاض الفائدة يقلل من جاذبية الأصول التي تدر عائدًا ويزيد من جاذبية الذهب، ما يمنحه دفعة إضافية في حال استمرار الأزمة لفترة أطول.

هل سؤثر مضيق هرمز على قناة السويس؟

يرتبط مضيق هرمز وقناة السويس بعلاقة غير مباشرة لكنها شديدة الحساسية في معادلة التجارة والطاقة العالمية. فمضيق هرمز هو البوابة التي تخرج منها صادرات نفط الخليج إلى البحار المفتوحة، بينما تمثل قناة السويس الممر الأقصر الذي تعبر منه هذه الشحنات إلى أوروبا والبحر المتوسط. أي اضطراب في أحدهما ينعكس تلقائيًا على حركة الآخر، لأن مسار النفط الخليجي إلى الغرب يمر غالبًا عبر الاثنين معًا.

عند استقرار الأوضاع، تتحرك ناقلات النفط من الخليج مرورًا بمضيق هرمز إلى بحر العرب، ثم عبر البحر الأحمر وصولًا إلى قناة السويس ومنها إلى الأسواق الأوروبية. لكن في حال إغلاق هرمز أو تعطل الملاحة فيه، فإن جزءًا كبيرًا من الشحنات لن يصل أصلًا إلى البحر الأحمر، ما يعني تراجعًا مباشرًا في حجم العبور عبر قناة السويس، خاصة في ناقلات الخام والمنتجات البترولية.

في المقابل، إذا لم يُغلق المضيق بالكامل لكن تصاعدت المخاطر الأمنية، فقد تختار بعض الشركات تغيير مساراتها أو تقليل الشحنات، ما يرفع تكلفة التأمين والنقل. هذا بدوره قد يؤثر على إيرادات قناة السويس، لأن ارتفاع المخاطر في هرمز ينعكس على تكلفة الرحلة بأكملها، ويجعل بعض الناقلات تفكر في مسارات بديلة حول رأس الرجاء الصالح رغم طولها.

بالتالي، مضيق هرمز يمثل نقطة الانطلاق الحيوية للطاقة الخليجية، وقناة السويس تمثل شريان العبور إلى أوروبا. العلاقة بينهما تكاملية في أوقات الاستقرار، لكنها تصبح علاقة تأثر متبادل في أوقات الأزمات. وأي تصعيد عسكري في هرمز لا يهدد أسواق النفط فقط، بل يمتد أثره إلى حركة الملاحة العالمية وإيرادات الممرات الاستراتيجية وعلى رأسها قناة السويس.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً