خطة 'كيفونيم' أو 'وثيقة عوديد ينون' تعود إلى الواجهة مع الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية الجارية، لتكشف عن رؤية إسرائيلية لتقسيم الشرق الأوسط وتحقيق مشروع 'إسرائيل الكبرى'، هذه الخطة التي برزت في الثمانينيات تسعى إلى السيطرة على المنطقة عبر تقسيم الدول إلى كيانات صغيرة على أسس طائفية، مستغلة الصراعات الداخلية والتوترات الإقليمية، بما يضمن لإسرائيل النفوذ الأمني والسياسي والاقتصادي.
في ظل الحرب الحالية، يظهر تنفيذ إسرائيل عمليات استراتيجية تهدف لتوريط دول الخليج، مستغلة وجود قواعد أمريكية فيها، وتحويل هذه الدول إلى شركاء غير مباشر في المواجهة مع إيران، سواء عبر الضغوط الأمنية أو المشاركة الاستخباراتية والعسكرية. عمليات مثل الهجوم على منشآت أرامكو وميناء الفجيرة ضمن 'العلم الزائف' توضح كيفية توظيف إسرائيل للأحداث لصالحها، لصرف الأنظار عن استهدافها لمواقع داخل إيران ولزيادة الضغط على الدول الخليجية.
بهذه الطريقة، يجمع مشروع 'كيفونيم' بين التوسع العسكري والاستخباراتي والسياسي والديني، مستغلاً النزاعات الإقليمية الحالية، بما في ذلك الحرب الإيرانية، لتطبيق رؤيته على أرض الواقع، وجعل الصراعات في الشرق الأوسط أداة لتحقيق أهداف إسرائيلية استراتيجية طويلة المدى، تشمل تقسيم الدول وإضعافها داخليًا، مع تورط مباشر وغير مباشر لدول المنطقة في دائرة الصراع.
ماهي خطة "كيفونيم"
مع الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية الجارية تعود خطة عوديد ينون، الصحفي والدبلوماسي ومستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون إلى الواجهة أو ما تعرف بأسم خطة 'كونفويم' لتقسيم الشرق الأوسط والتي برزت في عام 1982 في مجلة تابعة للمنظمة الصهيونية العالمية، جاءت حينها بعدما شهدت المنطقة توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1979، واندلاع الثورة الإيرانية، والحرب العراقية الإيرانية.
ومع هذه الحروب برزت فكرة رؤية مستقبل الشرق الأوسط من وجهة نظر إسرائيلية وهي تشكيل خريطة الدول عبر تقسيم عدد من دولة إلى كيانات أصغر على أسس طائفية، لتستطيع إسرائيل السيطرة عليها أمنياً وسياسياً واقتصادياً من خلال تغذية الانقسامات الداخلية الدينية والمذهبية في مجتمعات المنطقة، من أجل إحداث حالة من الفوضى المزمنة ليحقق في نهاية المطاف مشروع 'إسرائيل الكبري' تمتد حدود النفوذ الإسرائيلي لتشمل أجزاء من لبنان وسوريا والأردن والعراق ومصر والسعودية، مع بقاء هذه المناطق مقسمة إلى وحدات سياسية صغيرة، وهذا الأمر لم يحدث فقط بدخول إسرائيل حروب عسكرية أو اقتصادية مع الدول فقط بل الأمر يمتد إلى استخدام دول الشرق الأوسط لمحاربة بعضها البعض اقتصادياً وعسكرياً ايضاً مثلما يحدث الآن خلال الحرب الإيرانية الجارية مع الدول الخليجية بسبب القواعد الأمريكية الموجودة في تلك الدول.

من النيل إلى الفرات
برزت بشكل أكبر تلك الخطة علانية في تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي خلال لقاءه مع الإعلامي تاكر كارلسون الشهر الحالي بعد أن أبدى قبولاً بفكرة استيلاء إسرائيل على كامل أراضي الشرق الأوسط، حيث زعم كارلسون حينها أن 'نصا من العهد القديم' يتحدث عن وعد إلهي لإبراهيم بأرض تمتد من وادي مصر إلى نهر الفرات، وهو نفس النص الذي استند إليه 'عوديد ينون' في وثيقته وهي مساحة قال إنها تشمل أجزاء واسعة من دول الشرق الأوسط، من بينها الأردن وسوريا ولبنان، إضافة إلى مناطق من السعودية والعراق ومصر.
وعندما سأله كارلسون صراحة عمّا إذا كان من حق إسرائيل الاستحواذ على تلك الأراضي، أجاب: 'سيكون الأمر مقبولا لو أنهم أخذوها كلها'، وهو تصريح عدّه كثيرون انعكاسا لتوجه أيديولوجي يتجاوز الإطار السياسي التقليدي نحو طرح ديني عقائدي.
نتنياهو يبرر توسعاته بأسم الدين
وفي منتصف أغسطس 2025 أعلن بنيامين نتنياهو تأييده رؤية 'إسرائيل الكبرى' مشروعا توراتيا يستحضر الموروث التلمودي لتبرير سياساته التوسعية، وفاجأ الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 سبتمبر 2023 بعرضه 'خريطة إسرائيل تتضمن قطاع غزة والضفة'.
المشروع يتبناه اليمين الإسرائيلي المتشدد المتحالف مع نتنياهو، وطرحه زعيم حزب 'البيت اليهودي' بتسلئيل سموتريتش عام 2016، عندما كان عضوا في الكنيست، مشيرا في مقابلة تلفزيونية إلى أن 'حدود إسرائيل يجب أن تمتدّ لتشمل دمشق، إضافة إلى أراضي 6 دول عربية هي سوريا ولبنان والأردن والعراق وجزء من مصر والسعودية، لتحقيق الحلم الصهيوني من النيل حتى الفرات'.
اغتيال الخامنئي لاشعال الفوضي في عدة دول
وفي سياق الحديث عن خطة 'كيفونيم'، يُنظر إلى اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي بأنه حدث قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الفوضى الإقليمية، فوفق الرؤية التي تتحدث عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط عبر تفكيك الدول الكبرى إلى كيانات أصغر، فإن استهداف رأس السلطة في إيران قد يؤدي إلى اهتزاز داخلي عميق ينعكس على توازنات المنطقة بأكملها، وفق ما وصفته وكالة رويترز.
فاغتيال شخصية بحجم خامنئي ليس مجرد عملية أمنية، بل قد يُدخل إيران في صراع داخلي على السلطة، ويخلق حالة من عدم الاستقرار السياسي والمؤسسي، لتتحول دولة مركزية مؤثرة في الإقليم إلى ساحة تنافس داخلي، وهو ما يتقاطع مع منطق تفكيك مراكز القوة الكبرى الذي تقوم عليه فكرة تقسيم المنطقة إلى وحدات أضعف.
كما أن الفراغ في القيادة الإيرانية قد يدفع أطرافًا إقليمية ودولية إلى التدخل المباشر أو غير المباشر، سواء لحماية مصالحها أو لإعادة رسم توازنات جديدة، هذا التدخل المتعدد يعزز احتمالات توسع الصراع ليشمل الخليج والعراق وبلاد الشام، وهو ما ينسجم مع تصور أن الصراعات الممتدة تُنهك الدول وتُضعف بنيتها الداخلية.
حيث أدى اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، إلى تصاعد العراق وتحولها إلى الصراعات الطائفية بين جماعات شيعية موالية لإيران وأنصار المعارضة، الذين يرون في الحدث فرصة لتقليص النفوذ الإيراني في البلاد، هذا الانقسام أضعف المؤسسات الحكومية وفتح المجال لعمليات عنف متبادلة، خصوصًا في المحافظات الجنوبية والوسطى التي تشهد تقاطعًا بين مصالح سياسية وطائفية مختلفة.
في سوريا، أدت وفاة خامنئي إلى زيادة التوتر بين المليشيات الشيعية المدعومة إيرانيًا والفصائل المعارضة للنظام السوري، ما زاد من حالة عدم الاستقرار في مناطق مثل دير الزور وحمص. الصراع بين هذه الأطراف لم يقتصر على السلطة السياسية فحسب، بل امتد إلى السيطرة على الموارد والمناطق الحيوية، بما في ذلك خطوط النفط والغاز والممرات الاستراتيجية.
الصراعات الطائفية في عدة دول أخرى تمثل جزءًا من النمط الذي تنبأت به خطة 'كيفونيم'، حيث يؤدي تفكيك السلطة المركزية في الدول الكبرى إلى تعزيز النفوذ الإسرائيلي والأمريكي من خلال إبقاء المنطقة في حالة اضطراب مستمر، الانقسامات الداخلية تجعل الدول أكثر هشاشة أمام التدخلات الخارجية، ويزيد من قدرة إسرائيل على تشكيل التحالفات الإقليمية بما يخدم مصالحها.
تزايد العنف الطائفي دفع بعض الجماعات المسلحة إلى التحالف مع قوى إقليمية ودولية لتعزيز موقفها في الصراع، ما أدى إلى تشابك مصالح متعددة بين إيران، تركيا، روسيا، والولايات المتحدة، إلى جانب النفوذ الإسرائيلي المباشر وغير المباشر، هذا الأمر يعكس كيف يمكن للاغتيال أن يخلق حالة من 'حرب وكلاء' موسعة في العراق وسوريا، بما يتماشى مع أهداف خطة 'كيفونيم' لتقسيم الشرق الأوسط.
دور دول الخليج في مخطط نتنياهو
إسرائيل تعمل على توسيع نطاق الصراع مع إيران ليشمل دول الخليج، مستغلة وجود قواعد أمريكية في البحرين وقطر والكويت والإمارات والسعودية، من خلال هذا التوجه، تحاول تل أبيب تحميل دول الخليج جزءًا من المسؤولية عن الرد الإيراني، ما يجعل هذه الدول شركاء غير مباشر في المواجهة العسكرية ويزيد من الضغوط الأمنية والسياسية عليهم.
في هذا السياق كشفت صحيفة 'ميدل أيست آي' أن التعاون الاستخباراتي والعسكري بين إسرائيل وامريكا ودول الخليج يظهر بشكل متزايد، حيث تسعى تل أبيب لإقناع هذه الدول بأن دعم التحالف ضد إيران سيعزز أمنها الإقليمي، في الوقت نفسه، تستهدف إسرائيل خلق تصور بأن أي تهديد لإيران يقتضي تدخلًا خليجيًا، سواء من خلال السماح باستخدام الأجواء والموانئ أو تقديم معلومات استخباراتية، ما يضع دول الخليج في موقف حرج بين الالتزام بتحالفها مع الغرب والحفاظ على سيادتها.
كما أن الضربات الإسرائيلية الأخيرة داخل الأراضي الإيرانية وعملياتها الجوية المشتركة مع أمريكا تُظهر قدرة تل أبيب على تحريك الصراع بعيدًا عن حدودها، هذه العمليات تُستخدم أيضًا كوسيلة ضغط على دول الخليج لتكون جزءًا من الاستراتيجية الدفاعية الإقليمية، بحيث تصبح أي محاولة إيرانية للرد مرتبطة مباشرة بحماية المصالح الخليجية، ما يعزز الانخراط غير المباشر لدول المنطقة في الحرب.
وبالتالي فإن المحاولات الإسرائيلية لتوريط الخليج في صراع إيران تحقق معادلة إسرائيل في مخطط 'كيفونيم' لتحقيق مشروع إسرائيل الكبرى فهي تضغط على هذه الدول لتحمل مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة في الحرب، وبالتالي سيتم ضرب الشرق الأوسط ببعضه البعض لإنهاك الجيوش العربية والسقوط الاقتصادي وبالتالي سهولة تقسيم الدول.
إسرائيل تقصف الدول الخليجية في الخفاء لتأجيج الصراع
في نفس السياق، أكدت معلومات مصادر عسكرية لوكالة تسنيم الإيرانية إلى أن الهجوم على منشآت أرامكو وميناء الفجيرة قد يكون نفذه إسرائيليون ضمن ما يعرف بعملية 'العلم الزائف'، ما يضع دول الخليج في مواجهة تصعيد قد لا يكون ناتجًا عن إيران مباشرة، بل نتيجة تحركات إسرائيلية تهدف إلى توجيه الانتباه بعيدًا عن أنشطتها في الداخل الإيراني.
استخدام عمليات العلم الزائف يعزز استراتيجية إسرائيل في توريط دول الخليج، حيث يُظهر الهجوم وكأنه رد إيراني محتمل، ما قد يدفع بعض الدول الخليجية إلى الدخول المباشر في الصراع تحت ضغط الحاجة للدفاع عن مصالحها النفطية والبنية التحتية الحيوية، وبالتالي يضرب الشرق الأوسط بعضه ويقيم نفسه إلى دويلات صغيرة.
تلعب مثل هذه العمليات دورًا مزدوجًا، فهي تصرف الأنظار عن استهداف إسرائيل لمواقع غير مدنية داخل إيران وتضع دول الخليج تحت ضغط أمنٍ وديبلوماسي، خاصة فيما يتعلق بحماية منشآتها الحيوية، الأمر الذي يعزز تورطها غير المباشر في الصراع.
هذا النوع من الهجمات يُسهم في خلق شعور داخلي لدى الحكومات الخليجية بأن الخطر الإيراني يقترب من أراضيها مباشرة، ما يزيد من احتمالية تقديم الدعم للتحالف الإسرائيلي الأمريكي، سواء كان عسكريًا أو استخباراتيًا، بما يحقق أهداف تل أبيب في الصراع الإقليمي.
تضاف هذه التحركات إلى الجهود السابقة لإقناع دول الخليج بأن أي تهديد لإيران يجب أن يكون مدعاة للمشاركة الأمنية، وهو ما يضع هذه الدول في موقع حرج بين حماية سيادتها ورضوخها لضغوط التحالف الإسرائيلي الأمريكي.
تكرار مثل هذه العمليات في الخليج يعزز القدرة الإسرائيلية على توجيه الحرب بشكل يحقق مصالحها الاستراتيجية، ويزيد من فرص تورط دول غير مباشرة في صراع قد يتحول سريعًا إلى مواجهة إقليمية واسعة تشمل المنشآت الحيوية في المنطقة.