في خطوة تعيد رسم خارطة التوازنات الأمنية في منطقة القرن الإفريقي، أعلنت الولايات المتحدة رفع الحظر المفروض على صادرات الأسلحة إلى إثيوبيا، منهيةً بذلك سنوات من 'سياسة الرفض' التي أعقبت حرب تيغراي. هذا القرار، الذي يتجاوز بتبعاته مجرد التعاون الدفاعي الثنائي، جاء في توقيت إقليمي بالغ الحساسية؛ حيث اعتبره محللون بمثابة 'اعتراف استراتيجي' بدور أديس أبابا كلاعب محوري في أمن البحر الأحمر ومكافحة الإرهاب، في مقابل تجاهل واضح لمزاعم واحتجاجات سلطة بورتسودان، مما يضع السودان أمام تحديات دبلوماسية متزايدة وسط عزلة دولية آخذة في الاتساع.
ويأتي القرار في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها أزمات السودان مع التنافس الدولي المتصاعد على النفوذ في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، مما يمنح الخطوة الأميركية دلالات سياسية وأمنية تتجاوز بعدها التقني أو القانوني.
وبموجب القرار الأميركي، ستُعاد دراسة طلبات تراخيص تصدير الأسلحة المقدَّمة من إثيوبيا وفق لوائح الاتجار الدولي بالأسلحة (ITAR)، على أساس كل حالة على حدة، بما يفتح الباب عمليا أمام استئناف التعاون الدفاعي بين واشنطن وأديس أبابا.
وأكد مكتب مراقبة تجارة الدفاع التابع لوزارة الخارجية الأميركية (DDTC)، في تحديث رسمي، إنهاء 'سياسة الرفض' المعمول بها تجاه إثيوبيا، مع الإشارة إلى تعديل تنظيمي مرتقب يقضي بإزالة اسمها من قائمة الدول الخاضعة للقيود الواردة في المادة 126.1 من اللوائح ذاتها.
تصاعد التوتر بين السودان وإثيوبيا
يتزامن القرار مع تصاعد التوتر بين السودان وإثيوبيا، عقب مزاعم السلطة القائمة في بورتسودان بأن أديس أبابا سمحت بانطلاق طائرات مسيّرة استهدفت مطار الخرطوم الدولي مطلع مايو الجاري، وهي مزاعم لم تستطع السلطة إثباتها حتى الآن، كما لم تؤكدها أي جهات دولية محايدة، في حين نفتها إثيوبيا بشكل قاطع.
غير أن المضي الأميركي في رفع الحظر في هذا التوقيت يعكس بوضوح أن واشنطن تعيد ترتيب أولوياتها الاستراتيجية في المنطقة وفق حسابات تتجاوز الاعتبارات المرتبطة بمواقف سلطة بورتسودان، خصوصاً في ظل الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لمكافحة الإرهاب في القرن الإفريقي، والتي تضع أولوية لبناء شراكات مستقرة مع القوى الإقليمية الفاعلة، وسط مخاوف غربية متزايدة من تنامي نفوذ التيارات الإسلامية المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين داخل مراكز القرار المرتبطة بالمؤسسة العسكرية السودانية.
هل إثيوبيا شريك اقليمي لامريكا؟
وبحسب مراقبين، يشير توقيت رفع الحظر إلى أن الولايات المتحدة تنظر إلى إثيوبيا باعتبارها شريكا محوريا في معادلات الأمن الإقليمي، خصوصاً فيما يتعلق بأمن البحر الأحمر، ومكافحة الإرهاب، وإدارة التوازنات الأمنية في منطقة القرن الإفريقي.
الأبعاد الاستراتيجية للقرار
يرى الباحث الإثيوبي أيوب حسين أن القرار الأميركي لا يمكن فصله عن التحولات الجيوسياسية المتسارعة في القرن الإفريقي، ولا عن مساعي واشنطن لإعادة صياغة حضورها الأمني والسياسي في المنطقة.
وقال حسين في تصريحات لصحيفة النيويورك تايمز إن 'القرار يمثل إنهاءً عمليا لمرحلة العزلة العسكرية التي فرضتها الإدارة الأمريكية السابقة على إثيوبيا على خلفية حرب تيغراي، كما يعكس توجها أمريكياً لإعادة فتح قنوات التعاون الدفاعي والأمني مع أديس أبابا ضمن إطار ثنائي أكثر تنظيما واستقرارا'.
وأضاف أن الخطوة تحمل دلالة سياسية أعمق تتمثل في اعتراف أمريكي ضمني بالدور الإثيوبي بوصفه ركنا أساسيا في توازنات البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وفي استراتيجية مواجهة الإرهاب في المنطقة، في ظل المخاوف الغربية من المشهد السياسي في السودان.
صدى القرار في بورتسودان
حتى الآن، لم يصدر أي تعليق رسمي من سلطة بورتسودان، التي تواجه انتقادات متزايدة بشأن إدارة ملفاتها الخارجية، وتناقضا في خطابها السياسي تجاه القوى الإقليمية والدولية، في ظل النفوذ المتصاعد لعناصر النظام السابق داخل دوائر القرار.
ووصف خبير عسكري سوداني مختص بشؤون القرن الإفريقي، من بورتسودان القرار، بأنه 'رسالة سياسية ذات توقيت محسوب'، معتبرا أن واشنطن تجاهلت بصورة واضحة المزاعم التي وجهتها سلطة بورتسودان إلى إثيوبيا.
وأضاف أن 'القرار يكشف محدودية تأثير السلطة القائمة في بورتسودان على مراكز صناعة القرار الدولي، ويؤكد أنها لا تمثل طرفا فاعلا في الحسابات الاستراتيجية الكبرى المتعلقة بأمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي، بل اصبحت تنظر إليها في بعض الدوائر الغربية باعتبارها جزءاً من معادلة عدم الاستقرار الإقليمي، لا شريكاً في ترتيبات الاستقرار الجديدة'.
المشهد الإقليمي الأوسع
يكشف هذا التطور عن تصاعد الثقة الدبلوماسية الإثيوبية، مدفوعة بتحول ملحوظ في المزاج الدولي تجاه أديس أبابا، في وقت تبدو فيه السلطة القائمة في بورتسودان أكثر عزلة وأقل قدرة على التأثير في مواقف القوى الكبرى أو توجيه مسارات التوازن الإقليمي.
ولا يقتصر الأمر على كونه أزمة سياسية بين دولتين متجاورتين، بل يعكس تحولاً أعمق في بنية النفوذ داخل القرن الإفريقي، حيث تُعاد صياغة التحالفات والخرائط الأمنية وفق منطق المصالح الدولية والتنافس الجيوسياسي، بعيداً عن خطاب التصعيد المحلي أو الحسابات الثنائية الضيقة