ads
ads

من محاكم التفتيش إلى رفض استخدام قواعدها لصالح أمريكا.. كيف تحولت إسبانيا لأكبر داعم لفلسطين وإيران؟

القواعد الأمريكية في اسبانيا
القواعد الأمريكية في اسبانيا

من غرناطة إلى غزة ومن ذاكرة الأندلس إلى حسابات مضيق هرمز، تبدو إسبانيا اليوم وكأنها تسير في مسار تاريخي طويل انتهى بها إلى موقع لم يكن أحد ليتخيله قبل قرون.

دولة خرجت من رحم محاكم التفتيش وسقوط الحكم الإسلامي في الأندلس، تتحول في القرن الـ 21 إلى واحدة من أكثر الدول الأوروبية وضوحًا في دعم الاعتراف بدولة فلسطين، وإلى حكومة ترفض استخدام أراضيها في عمليات عسكرية ضد إيران، حتى لو كلّفها ذلك توترًا مباشرًا مع واشنطن. هذا التحول ليس عاطفيًا ولا قائمًا على مراجعة دينية للتاريخ، بل هو نتيجة تراكم سياسي طويل أعاد تعريف هوية الدولة الإسبانية وموقعها في النظام الدولي.

سقوط غرناطة

عندما سقطت غرناطة عام 1492، لم يكن ذلك مجرد حدث عسكري، بل لحظة تأسيس لوعي سياسي إسباني مبني على استعادة الأرض والهوية. الدولة التي تشكلت تحت التاج الكاثوليكي ربطت مشروعها السياسي بالدين، وأقامت نظامًا يقوم على تطهير الداخل من “الآخر”.

في القرن الـ 20، خاضت إسبانيا حربًا أهلية مدمرة انتهت بديكتاتورية طويلة بقيادة فرانكو، خلال تلك المرحلة، كانت مدريد شبه معزولة عن أوروبا الديمقراطية، وتبنت سياسة خارجية حذرة ومحدودة التأثير.

لكن بعد وفاة فرانكو عام 1975، دخلت البلاد مرحلة انتقال ديمقراطي عميق غيّر بنيتها السياسية بالكامل، الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي عام 1986 لم يكن مجرد قرار اقتصادي، بل إعلان انتماء إلى منظومة قيم جديدة تقوم على التعددية وحقوق الإنسان والعمل المشترك.

فاعل دبلوماسي حقيقي في الشرق الأوسط

خلال التسعينيات، برزت مدريد كفاعل دبلوماسي في الشرق الأوسط عندما استضافت مؤتمر السلام عام 1991، الذي جمع لأول مرة أطرافًا عربية وإسرائيل على طاولة مفاوضات متعددة الأطراف. لم يكن ذلك حدثًا بروتوكوليًا، بل تعبيرًا عن رغبة إسبانيا في لعب دور الوسيط بين ضفتي المتوسط. بخلاف بريطانيا وفرنسا، لم تكن لإسبانيا ذاكرة استعمارية مباشرة في المشرق العربي، ما منحها مساحة أوسع للتحرك دون إرث ثقيل يقيّدها.

مع مرور الوقت، تبلور داخل السياسة الإسبانية تيار يعتبر أن استقرار المتوسط جزء من الأمن القومي الإسباني.

فالهجرة، والطاقة، والتبادل التجاري، كلها تربط مدريد بجنوب المتوسط أكثر مما يربطها بأي صراع أوروبي داخلي.

من هنا بدأ الموقف الإسباني من القضية الفلسطينية يتطور تدريجيًا من دعم لفظي لحل الدولتين إلى تبني خطوات سياسية أكثر وضوحًا.

اليسار الإسباني ودعم فلسطين

التحول الأكبر جاء مع تصاعد الحكومات ذات التوجه اليساري، التي تبنت خطابًا أكثر صراحة في انتقاد السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.

الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين لم يكن قفزة مفاجئة، بل نتيجة مسار طويل من التراكم الدبلوماسي والضغط الشعبي الداخلي.

في الشارع الإسباني، تحظى القضية الفلسطينية بتعاطف ملحوظ، خاصة بعد حروب غزة المتكررة.

حيث شهد الموقف الإسباني من القضية الفلسطينية تطورًا تدريجيًا، انتقل فيه من دعم تقليدي لحل الدولتين ضمن الإطار الأوروبي العام إلى تبنّي خطاب أكثر وضوحًا واستقلالًا.

فمنذ استضافة مدريد لمؤتمر السلام عام 1991، حرصت إسبانيا على لعب دور الوسيط بين العالم العربي وإسرائيل، مستفيدة من موقعها الجغرافي وتاريخها .

ومع تصاعد التوترات في الأراضي الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة، بدأت الحكومات الإسبانية، خصوصًا ذات التوجه اليساري، تتحدث بنبرة أكثر صراحة عن ضرورة إنهاء الاحتلال وضمان حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، معتبرة أن استمرار الوضع القائم يقوّض الاستقرار الإقليمي ويهدد الأمن الأوروبي نفسه.

هذا التوجه جاء بخطوة سياسية مفصلية تمثلت في اعتراف إسبانيا رسميًا بدولة فلسطين، في تحرك اعتبرته مدريد انسجامًا مع القانون الدولي ومحاولة لإنقاذ حل الدولتين من الانهيار. القرار لم يكن معزولًا، بل جاء ضمن تنسيق أوروبي أوسع، لكنه حمل دلالة خاصة نظرًا لثقل إسبانيا داخل الاتحاد الأوروبي. الحكومة الإسبانية بررت الخطوة بأنها ليست موجهة ضد إسرائيل، بل تهدف إلى إعادة التوازن للعملية السياسية ومنح الفلسطينيين إطارًا قانونيًا معترفًا به دوليًا، بما يعزز فرص التفاوض بدلًا من ترك الصراع مفتوحًا بلا أفق.

في السياق ذاته، اتخذت مدريد مواقف علنية منتقدة للعمليات العسكرية واسعة النطاق في غزة، داعية إلى وقف إطلاق النار وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية، ومؤكدة أن احترام القانون الإنساني الدولي يجب أن يكون أساس أي تحرك سياسي أو عسكري. هذا الخطاب عكس تزايد التأثير الشعبي داخل إسبانيا المؤيد للحقوق الفلسطينية، كما عبّر عن رغبة رسمية في تبني سياسة خارجية أكثر استقلالًا داخل الاتحاد الأوروبي. وبذلك تحولت إسبانيا من دولة تلتزم بالحد الأدنى من الإجماع الأوروبي إلى فاعل نشط يسعى إلى صياغة موقف أكثر وضوحًا في دعم الدولة الفلسطينية وطرح نفسه كصوت متقدم في النقاش الأوروبي حول الصراع.

رفض سياسية القطيع الأمريكية

لكن التحول لم يتوقف عند فلسطين، مع تصاعد التوتر بين أمريكا وإيران، وجدت إسبانيا نفسها أمام اختبار صعب.

على أراضيها قواعد عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة، أبرزها في روتا ومورون.

هذه القواعد تشكل جزءًا من منظومة الدفاع الأطلسي، لكنها في الوقت نفسه تخضع لسيادة إسبانية.

حين تصاعدت العمليات العسكرية ضد إيران، وظهرت مؤشرات على استخدام بعض القواعد الأوروبية في الدعم اللوجستي، برز سؤال السيادة بوضوح داخل مدريد.

وجاء قرار الحكومة الإسبانية بعدم السماح باستخدام قواعدها في عمليات هجومية ضد إيران عكس مبدأ رفض سياسة القطيع في حرب حيث ان قرار الحرب يجب أن يخضع لشرعية واضحة ومتفق عليها، وليس قرارًا أحاديًا من حليف أقوى.

هذا الموقف لم يكن إعلان تحالف مع طهران فقط، بل إعلان استقلال عن واشنطن.

إسبانيا لا تتبنى السياسات الإيرانية بشكل كامل لكنها دعمت الاتفاق النووي الإيراني، والحلول الدبلوماسية ورفض التصعيد العسكري، لأنها ترى أن التصعيد العسكري يهدد استقرار المنطقة ويضر بالمصالح الأوروبية، خاصة في ما يتعلق بالطاقة.

إغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة فيه لا يعني أزمة بعيدة جغرافيًا، بل تهديدًا مباشرًا لإمدادات الطاقة الأوروبية.

لذلك تميل مدريد، إلى تفضيل الحلول الدبلوماسية وإحياء الاتفاق النووي بدلًا من الانجرار إلى مواجهة مفتوحة.

دعم الاتفاق النووي لم يكن انحيازًا أيديولوجيًا لإيران، بل استثمارًا في آلية اعتُبرت في وقتها أفضل أداة لمنع الانتشار النووي وضبط التوتر.

ما يربط هذه المواقف ببعضها ليس التعاطف مع طرف ضد آخر، بل رؤية أوسع لدور أوروبا، وفقا لموقع 'ABC News'

استقلال أوروبا عن امريكا

وفي هذا السياق، جاء تقرير لوكالة رويترز أكد أنه منذ سنوات، يتصاعد في القارة خطاب يدعو إلى “الاستقلال الاستراتيجي” عن امريكا، فرنسا تتحدث عنه علنًا، وألمانيا تناقشه بحذر، وإسبانيا تمارسه بهدوء.

هذا الاستقلال لا يعني القطيعة مع واشنطن، بل إعادة توازن في العلاقة بحيث لا تكون أوروبا مجرد تابع في القرارات الكبرى.

هنا يظهر البعد السياسي الداخلي أيضًا، تجربة حرب العراق عام 2003 التي تركت جرحًا عميقًا في الوعي الإسباني.

فمشاركة حكومة يمينية حينها في التحالف بقيادة أمريكا كانت غير شعبية وأدت إلى احتجاجات واسعة.

وبعد تفجيرات مدريد عام 2004، انسحبت إسبانيا من العراق، في خطوة عكست حساسية الرأي العام تجاه الانخراط في حروب خارجية مثيرة للجدل. هذه الذاكرة لا تزال تؤثر في صانعي القرار، وتجعلهم أكثر حذرًا في الانخراط في أي عمل عسكري قد يجر البلاد إلى دائرة عنف أوسع.

إذا نظرنا إلى المشهد ككل، نرى أن إسبانيا انتقلت من دولة تأسست على مشروع ديني-قومي في العصور الوسطى إلى دولة حديثة تحاول أن تؤسس سياستها الخارجية على القانون الدولي والتعددية.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً
عاجل
عاجل
"قطر للطاقة" تعلن حالة القوة القاهرة