ads
ads

"صور أقمار صناعية" تجهض الرواية الإسرائيلية في استهداف المدرسة الإيرانية بالخطأ.. لماذا قصفت "شجرة طيبة" عمدًا؟

مدرسة إيرانية
مدرسة إيرانية

في الحروب الحديثة، لا تُقاس الضربات الجوية بعدد الأهداف التي تصيبها فحسب، بل بالأسئلة التي تأتي وراء هذا الحدث

وعندما يتحول مبنى مدرسي إلى كومة من الركام خلال دقائق، يصبح الحدث أبعد من كونه عملية عسكرية عابرة، ليتحول إلى قضية رأي عام واختبار صارم لقواعد الاشتباك والقانون الدولي.

في مدينة ميناب جنوب إيران، سقط صاروخ على مدرسة “شجرة طيبة” الابتدائية للبنات، موقع مدني بامتياز، موقعه الجغرافي حساس لقربه من منشآت مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني ومجاورته لمضيق هرمز الاستراتيجي.

حجم الدمار الكبير وعدد الضحايا المرتفع فتحا بابًا واسعًا للتساؤل ما طبيعة الهدف الحقيقي؟ ما نوع السلاح المستخدم؟ وهل كان بالإمكان تجنب هذه النتيجة؟ هذا التقرير يحاول تفكيك المشهد لفهم ما حدث وفقا لموقع Janes Defence المتخصص في شؤون التسليح وتحليل أنظمة الأسلحة.

اغتيال البراءة في مدرسة شجرة طيبة

تقع المدرسة جنوب مدينة ميناب، في منطقة قريبة من منشآت مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، الصور التي التُقطت عقب الضربة أظهرت دمارًا شبه كامل للمبنى على مساحة تتجاوز 540 مترًا مربعًا، مع انهيار هيكلي واسع يشير إلى استخدام ذخيرة ذات قدرة اختراق عالية ورأس حربي متوسط إلى ثقيل.

تقديرات الضحايا تشير إلى مقتل أكثر من 180 طالبة، وإصابة العشرات، ليتجاوز إجمالي القتلى والجرحى 240 شخصًا.

السلاح المستخدم في قصف المدرسة

طبيعة الانفجار، واتساع نطاق التأثير، وشكل الحفرة الناتجة، كلها عناصر دفعت محللين عسكريين إلى مقارنة الأضرار بقدرات الذخائر الجوية المعروفة في الترسانة الإسرائيلية.

بناءً على تحليل حجم الدمار ونمطه، تتركز التقديرات حول ثلاثة صواريخ جو–أرض محتملة: “Delilah”، و“Rampage”، و“Sparrow” أو “Blue Sparrow”.

لكن صاروخ “Rampage” يبرز بوصفه الاحتمال الأقرب تقنيًا، نظرًا لقدرته على استهداف مبانٍ متوسطة ومحصنة، وحمله رأسًا حربيًا يزن نحو 150 كيلوغرامًا، وهو ما يتوافق مع مستوى الانهيار الهيكلي الذي ظهر في صور الموقع.

كما أن هذا الصاروخ مصمم ليُطلق من مقاتلات مثل “F-15I”، ويمكن للطائرة الواحدة حمل عدة صواريخ منه، ما يمنح مرونة عملياتية وكلفة أقل مقارنة ببعض الذخائر الأثقل.

المدرسة تقع داخل مجمع "سيد الشهداء"

ولكن المسألة الأهم تتعلق بالسياق المكاني للمدرسة. التحقيقات المعتمدة على صور الأقمار الصناعية ومواد المصادر المفتوحة أظهرت أن المدرسة تقع داخل نطاق مجمع يُعرف باسم “سيد الشهداء”، وهو مجمع مرتبط بالحرس الثوري الإيراني.

ويضم هذا المجمع منشآت متعددة، من بينها مركز طبي افتُتح مؤخرًا تحت اسم “العيادة التخصصية للشهيد آبسلان”، إضافة إلى مبانٍ تحمل لافتات تشير إلى القيادة الإقليمية للقوات البحرية للحرس الثوري، ومجمع ثقافي تابع له.

هل استهدفت المدرسة عمدًا؟

هذا القرب الجغرافي من منشآت عسكرية أو شبه عسكرية فتح باب التساؤل حول ما إذا كانت المدرسة قد استُهدفت عمدًا أم أُصيبت نتيجة استهداف مبانٍ أخرى داخل المجمع.

غير أن مراجعة صور الأقمار الصناعية بين عامي 2013 و2016 تُظهر أن المدرسة كانت معزولة بسور مستقل عن بقية منشآت المجمع، ما يشير إلى فصل واضح بينها وبين الأبنية ذات الطابع العسكري.

هذا التفصيل يكتسب أهمية خاصة في تقييم مدى مشروعية الضربة وإمكانية تجنبها.

ووفقا للموقع الاستخباراتي جرى فحص مئات الصور ومقاطع الفيديو المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي.

بعض المقاطع التي نشرها حساب “إيران إنترناشونال” أظهرت أعمدة دخان تتصاعد من مبنيين داخل مجمع سيد الشهداء، يُعتقد أنهما كانا هدفين مباشرين للضربة.

وبمقارنة المسافات بين هذه الأبنية وموقع المدرسة، تبيّن أن الفاصل يتراوح بين 270 و300 متر تقريبًا.

هذه المسافة، في ظل دقة الصواريخ الموجهة الحديثة التي يصل هامش خطئها إلى أمتار محدودة، تضعف فرضية الإصابة بالخطأ وتؤكد أن الإصابة كانت متعمدة.

ووفقًا للقانون الدولي الإنساني، وخاصة اتفاقيات جنيف، تُعد المدارس من الأعيان المدنية المحمية، ولا يجوز استهدافها إلا إذا فقدت هذه الحماية بتحولها إلى موقع ذي استخدام عسكري فعلي ومباشر.

هذا الحجم من الخسائر البشرية في موقع مدني يرفع مستوى التدقيق القانوني والسياسي حول الضربة.

فمبدأ التمييز، الذي يلزم أطراف النزاع بالتفريق بين الأهداف العسكرية والمدنية، الذي يحظر شن هجوم إذا كانت الخسائر المدنية المتوقعة مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة، يشكلان حجر الأساس في تقييم مشروعية أي عملية عسكرية.

في حال كان الهدف المقصود مباني تابعة للحرس الثوري داخل المجمع، فإن التخطيط العملياتي كان يستلزم تقييم المخاطر على المنشآت المدنية القريبة، خاصة إذا كانت مدرسة تعمل خلال ساعات الدوام.

وجود سور مستقل وفاصل مكاني واضح يؤكد أنه كان هناك إمكانية تجنب إصابة المدرسة، سواء عبر تعديل زاوية الهجوم، أو اختيار ذخيرة أقل قدرة تدميرية، أو توقيت مختلف، لكن الأمر حصل عمدًا ليس للإصابة العسكرية، فنحن نتعامل مع عدو مجرم حرب.

قرب المدرسة من مضيق هرمز

تداعيات الضربة لا تقتصر على الجانب الإنساني، فقط فميناب تقع في محافظة هرمزغان، وهي منطقة استراتيجية لقربها من مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم لنقل النفط والغاز.

أي تصعيد عسكري في هذه المنطقة الحساسة ينعكس مباشرة على أمن الملاحة والطاقة العالميين، وهذا يضعنا امام تساؤل آخر هل تحلم إسرائيل بالسيطرة علي مضيق هرمز؟

ماذا لو سيطرت إسرائيل على مضيق هرمز؟

مضيق هرمز ممر بحري ضيق يربط الخليج العربي بخليج عُمان، ويمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية وكميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال. أي تغيير في ميزان السيطرة عليه لا يُعد مسألة إقليمية فحسب، بل حدثًا جيوسياسيًا له تداعيات عالمية. افتراض سيطرة إسرائيل عليه يطرح سيناريو عالي التعقيد، لأن المضيق يقع بين إيران وسلطنة عُمان، ولا يملك كيان خارج هاتين الدولتين سيادة قانونية عليه.

من الناحية العسكرية، تحقيق سيطرة مباشرة يتطلب وجودًا بحريًا دائمًا وقدرة على فرض منطقة حظر بحري وجوي، إضافة إلى تحييد الدفاعات الساحلية الإيرانية ومنظومات الصواريخ المضادة للسفن.

هذا يعني عمليًا مواجهة مفتوحة مع إيران، التي تمتلك ترسانة صاروخية ساحلية وزوارق سريعة وألغام بحرية تجعل المضيق أحد أكثر الممرات قابلية للإغلاق السريع في حال الحرب.

أي محاولة لفرض سيطرة إسرائيلية ستتحول إلى صدام إقليمي واسع، غالبًا بمشاركة أطراف أخرى، لأن حرية الملاحة هناك تمثل مصلحة مباشرة للولايات المتحدة وأوروبا والصين ودول الخليج.

أما اقتصاديًا، مجرد الإعلان عن تحرك عسكري للسيطرة على المضيق سيؤدي إلى قفزات حادة في أسعار النفط والغاز، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وربما اضطراب سلاسل الإمداد العالمية. الأسواق تتفاعل مع المخاطر قبل وقوعها، وبالتالي يكفي تهديد فعلي للممر كي ترتفع الأسعار بشكل كبير. إذا تحولت السيطرة إلى واقع بالقوة، فقد نشهد إعادة تموضع للتجارة العالمية للطاقة، وتسريعًا لمشاريع خطوط أنابيب بديلة لتجاوز المضيق، وزيادة الاستثمارات في مصادر الطاقة غير التقليدية.

وفي السياق القانوني المضيق يخضع لقانون البحار الذي يضمن حق “المرور العابر” لجميع السفن. فرض سيطرة أحادية من طرف غير ساحلي سيُعتبر خرقًا للنظام القانوني الدولي، ما قد يؤدي إلى إدانات واسعة وعقوبات وربما تشكيل تحالفات بحرية مضادة. من غير المرجح أن تقبل القوى الكبرى بتغيير قواعد المرور في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم دون رد فعل منظم.

إقليميًا، دول الخليج ستجد نفسها في موقف بالغ الحساسية. فهي تعتمد على المضيق لتصدير نفطها، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في أن يتحول إلى ساحة صراع مباشر. أي سيطرة عسكرية إسرائيلية ستضع هذه الدول بين ضغوط متعارضة: حماية تدفق صادراتها من جهة، وتجنب الانجرار إلى مواجهة مفتوحة من جهة أخرى.

في المحصلة، سيناريو سيطرة إسرائيل على مضيق هرمز يعني عمليًا اندلاع أزمة دولية كبرى، تتجاوز حدود المواجهة الثنائية لتصبح اختبارًا للنظام البحري العالمي.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً