في قلب صحراء النقب يعد مفاعل ديمونا النووي كأحد أكثر المنشآت حساسية وغموضا في الشرق الأوسط.
فمنذ إنشائه في ستينيات القرن الماضي أصبح هذا الموقع رمزا للقوة النووية الإسرائيلية غير المعلنة، ومحورا دائما للتوترات الاستراتيجية في المنطقة. ومع تصاعد الصراع بين إيران و إسرائيل هددت إيران أمس بقصف مفاعل ديمونا في حال زج الأكراد داخل إيران ومحاولة نشوب حرب اهلية.
واستهداف منشأة نووية بهذا الحجم لن يكون مجرد ضربة عسكرية تقليدية، بل قد يتحول إلى حدث مفصلي يغير توازنات الشرق الأوسط ويخلق تداعيات سياسية وبيئية واقتصادية تمتد آثارها إلى دول عديدة في المنطقة وربما إلى العالم بأكمله.
طبيعة موقع مفاعل ديمونا
يقع مفاعل ديمونا النووي في عمق صحراء النقب جنوب إسرائيل، ويعد أحد أكثر المنشآت العسكرية حساسية في الشرق الأوسط.
وترفض إسرائيل رسميا تأكيد امتلاكها سلاحا نوويا رغم أن أغلب التقديرات الدولية تشير إلى أن هذا الموقع هو القلب الرئيسي للبرنامج النووي الإسرائيلي.
السيناريو الذي يناقشه بعض المحللين في صحيفة يديعوت أحرونوت يبدأ من احتمال توسع المواجهة عبر جبهات متعددة داخل إيران، خصوصا إذا ظهرت تحركات مسلحة على الحدود الغربية أو الشمالية قد تشكل ضغطا أمنيا على طهران.
أول ما يجب فهمه هو طبيعة الموقع نفسه، يقع المفاعل في منطقة صحراوية جنوب إسرائيل بالقرب من مدينة ديمونا داخل صحراء النقب، وتحيط به طبقات متعددة من الدفاعات الجوية والرادارية.
وتشير تقديرات استخباراتية غربية إلى أن الموقع محمي بمنظومات دفاعية تشمل بطاريات صواريخ اعتراضية وأنظمة إنذار مبكر قادرة على اكتشاف الصواريخ والطائرات المسيرة من مسافات بعيدة.
ما الأسلحة التي ستستخدمها إيران في قصف ديمونا
أحد أكثر الأسلحة التي يرجح الخبراء العسكريون أن تستخدمها إيران في مثل هذا السيناريو هو الصواريخ الباليستية بعيدة المدى. فإيران طورت خلال العقود الماضية ترسانة صاروخية ضخمة تضم أنواعا متعددة قادرة على الوصول إلى العمق الإسرائيلي.
من أبرز هذه الصواريخ شهاب ثلاثة و خرمشهر، وهي صواريخ يمكن أن يتجاوز مداها ألفي كيلومتر وتحمل رؤوسا تقليدية شديدة الانفجار.
هذا النوع من الصواريخ يعتمد على سرعة عالية ومسار باليستي يجعل اعتراضه أكثر صعوبة، خاصة إذا أطلق بعدد كبير في وقت واحد.
في حال استهدفت هذه الصواريخ منشأة حساسة مثل مفاعل ديمونا فإن الهدف الأساسي لن يكون فقط تدمير المباني الخارجية بل إحداث أضرار في البنية التحتية المحيطة بالمفاعل وأنظمة التبريد أو التخزين النووي.
إلى جانب الصواريخ الباليستية قد تعتمد إيران على سلاح آخر أصبح مؤثرا في الحروب الحديثة وهو الطائرات المسيرة الهجومية. هذه الطائرات التي تعرف بالدرونات الانتحارية يمكن إطلاقها بأعداد كبيرة وعلى ارتفاعات منخفضة، ما يجعل اكتشافها أصعب بالنسبة لأنظمة الرادار التقليدية.
من أشهر النماذج التي طورتها إيران شاهد 136، وهي طائرة مسيرة قادرة على التحليق لمسافات طويلة ثم الاصطدام بالهدف محملة بمتفجرات. تكمن خطورة هذا النوع من السلاح في أنه يمكن إطلاق عشرات أو حتى مئات الطائرات المسيرة في هجوم واحد، ما يخلق ضغطا هائلا على أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية ويزيد احتمال وصول بعضها إلى الهدف. وفي حالة منشأة مثل ديمونا قد تستخدم هذه الطائرات لضرب منشآت مساندة أو أنظمة دفاعية حول الموقع تمهيدا لضربة أكبر.
هناك أيضا احتمال لاستخدام صواريخ فرط صوتية أو صواريخ دقيقة التوجيه، وهي فئة جديدة نسبيا من الأسلحة التي تعمل إيران على تطويرها في السنوات الأخيرة. الصواريخ الفرط صوتية تتميز بسرعات هائلة وقدرة على المناورة خلال الطيران، وهو ما يجعل اعتراضها بواسطة الدفاعات الجوية التقليدية أكثر تعقيدا.
إذا امتلكت إيران القدرة التشغيلية الكاملة لهذه الصواريخ فقد تستخدمها لاستهداف مواقع عالية التحصين مثل المفاعلات النووية أو القواعد العسكرية الكبرى. وفي هذا السيناريو سيكون الهدف تحقيق ضربة دقيقة ومركزة في نقطة حساسة داخل المنشأة، لأن تدمير منشأة نووية يعتمد غالبا على إصابة مواقع محددة مثل أنظمة التبريد أو مراكز التحكم وليس مجرد ضرب المباني الخارجية.
الجمع بين الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة في هجوم واحد قد يشكل ما يسميه الخبراء العسكريون “هجوم الإغراق”، أي إطلاق عدد كبير من المقذوفات في وقت واحد لإرباك الدفاعات الجوية.
الخسائر المحتملة من استهداف مفاعل ديمونا
لا تقتصر على الجانب العسكري فقط، بل تمتد إلى الكارثة البيئية والاقتصادية، فإذا تعرض قلب المفاعل أو مخازن المواد المشعة لضرر كبير فقد يحدث تسرب إشعاعي واسع النطاق.
بعض التقديرات تشير إلى أن منطقة التلوث المحتمل قد تمتد لمسافة مئات الكيلومترات بحسب اتجاه الرياح.
هذا يعني أن الإشعاع قد يصل إلى دول مجاورة مثل الأردن و مصر وربما أجزاء من السعودية.
أما الخسائر البشرية في إسرائيل فقد تكون كبيرة في حال وقوع تسرب إشعاعي.
تشير تقديرات بعض مراكز الأبحاث إلى أن أي حادث نووي كبير قد يؤدي إلى إجلاء مئات الآلاف من السكان من المناطق القريبة،كما قد تتعرض مدن جنوب إسرائيل لأضرار بيئية واقتصادية ضخمة.
الخسائر الإسرائيلية والدول المجاورة
تكلفة إزالة التلوث النووي وحدها قد تصل إلى ما بين 50 لـ 100 مليار دولار، وهي أرقام مستمدة من تجارب دولية سابقة في التعامل مع حوادث نووية.
اقتصاد إسرائيل نفسه قد يتعرض لصدمة قوية. فمجرد استهداف منشأة نووية قد يؤدي إلى هروب الاستثمارات الأجنبية وانخفاض حاد في أسواق المال. بعض المحللين يقدرون أن الاقتصاد الإسرائيلي قد يخسر 100 مليار دولار في السنوات الأولى بعد أي حادث نووي كبير، نتيجة توقف قطاعات صناعية وسياحية وارتفاع تكاليف إعادة الإعمار.
لكن الخسائر لن تكون إسرائيلية فقط، فالدول المجاورة ستواجه بدورها تداعيات خطيرة، في الأردن مثلا قد يؤدي انتشار التلوث الإشعاعي إلى إغلاق مناطق زراعية واسعة لفترات طويلة، ما يسبب خسائر اقتصادية بمليارات الدولارات.
أما مصر فقد تتأثر حركة السياحة في منطقة البحر الأحمر إذا سادت مخاوف بيئية أو إشعاعية، وهو ما قد يكلف الاقتصاد المصري مليارات إضافية سنويا.
هذا السيناريو قد يرفع أسعار النفط عالميا إلى مستويات قد تتجاوز 150 دولارا للبرميل لفترة مؤقتة، وهو ما قد يربك الاقتصاد العالمي.
الولايات المتحدة ستكون أيضا طرفا خاسرا في مثل هذا السيناريو رغم بعدها الجغرافي، فواشنطن تعتبر الحليف الأمني الأهم لإسرائيل، وأي هجوم على منشأة استراتيجية مثل مفاعل ديمونا قد يدفعها إلى تدخل عسكري مباشر.
تكلفة أي تدخل واسع في الشرق الأوسط قد تتجاوز عشرات المليارات من الدولارات، إضافة إلى المخاطر السياسية والعسكرية التي قد تواجه القوات الأمريكية في المنطقة.
الأسواق العالمية بدورها ستتفاعل بقوة مع هذا الحدث، أي حادث نووي في الشرق الأوسط سيؤدي على الأرجح إلى انهيار مؤقت في أسواق الأسهم وارتفاع أسعار الطاقة والذهب.
أول 72 ساعة بعد استهداف مفاعل ديمونا
في الساعات الأولى بعد أي ضربة محتملة على مفاعل ديمونا النووي ستدخل إسرائيل في حالة طوارئ قصوى على المستوى العسكري والمدني. أول ما سيحدث هو تفعيل أنظمة الإنذار النووي وإغلاق كامل للمنطقة المحيطة بالمفاعل في صحراء النقب ضمن دائرة قد تمتد إلى 50 كيلومترا.في هذه المرحلة ستقوم السلطات بإخلاء عشرات الآلاف من السكان في المدن القريبة مثل بئر السبع والمناطق المحيطة بها، بينما تبدأ فرق الطوارئ النووية في تقييم حجم الضرر داخل المفاعل. إذا أدت الضربة إلى اختراق أنظمة التبريد أو تخزين المواد المشعة فقد يحدث تسرب إشعاعي محدود أو متوسط، وهو ما سيؤدي إلى انتشار سحابة ملوثة إشعاعيا تتحرك بحسب اتجاه الرياح.
خلال أول 24 ساعة ستقوم إسرائيل بإغلاق المجال الجوي فوق الجنوب وتعليق الحركة في بعض المطارات القريبة، بينما تعلن حالة التعبئة العسكرية الكاملة وتبدأ ضربات انتقامية واسعة ضد أهداف داخل إيران أو ضد حلفائها في المنطقة. في الوقت نفسه ستتحرك الولايات المتحدة بسرعة لدعم إسرائيل عسكريا واستخباراتيا، وقد ترسل سفنا إضافية إلى شرق المتوسط والخليج تحسبا لتوسع المواجهة.
أما خلال اليومين التاليين فستبدأ التأثيرات الإقليمية في الظهور بوضوح، إذا حدث تسرب إشعاعي فعلي فقد تتأثر مناطق خارج إسرائيل بحسب اتجاه الرياح، خاصة أجزاء من الأردن و مصر في منطقة سيناء، وربما أجزاء من السعوديةشمال غرب المملكة.
في هذه الحالة قد تضطر هذه الدول إلى اتخاذ إجراءات احترازية مثل مراقبة مستويات الإشعاع في الهواء والمياه وتعليق بعض الرحلات الجوية أو حركة الملاحة في مناطق محددة.
اقتصاديا ستتأثر أسواق الطاقة العالمية بسرعة لأن خلال 72 ساعة فقط قد ترتفع أسعار النفط بشكل حاد وقد تتعطل حركة التجارة في عدة موانئ في الخليج وشرق المتوسط.
وفي حال توسعت المواجهة العسكرية فقد تدخل أطراف إقليمية أخرى في الصراع بشكل مباشر أو غير مباشر، ما قد يحول الضربة على المفاعل من حادث عسكري محدود إلى أزمة إقليمية كبرى لها تأثيرات أمنية وبيئية واقتصادية تمتد إلى معظم دول الشرق الأوسط.