ads
ads

"اطمئن"..لماذا لا تتأثر مصر بالإشعاعات رغم كل ما يحدث في المنطقة؟

اشعاع
اشعاع
كتب : سها صلاح

شهدت مصر خلال الأيام الماضية حالة من الجدل الواسع بعد انتشار تساؤلات وتحذيرات غير رسمية حول احتمال تأثر البلاد بإشعاعات نووية، في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة.

هذا القلق دفع هيئة الرقابة النووية والإشعاعية إلى إصدار بيان حاسم أكدت فيه استقرار مستويات الإشعاع داخل البلاد، وعدم تسجيل أي تغيرات غير طبيعية، مع دعوة المواطنين إلى الاعتماد على المصادر الرسمية وتجنب الشائعات.

ورغم وضوح البيان، فإن التساؤلات لم تتوقف لماذا ظهر هذا الجدل أصلًا؟ وهل يمكن بالفعل أن تتأثر مصر بإشعاعات قادمة من خارج حدودها؟ وما حقيقة المخاوف المرتبطة بمنشآت نووية قريبة مثل مفاعل ديمونا التي أصبح في مرمى نيران إيران؟

في هذا التقرير نحاول تقديم صورة متكاملة للأمر.

جدل حول الاشعاعات النووية

بدأت موجة الجدل مع تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة، خاصة في ما يتعلق بالملف النووي الإيراني.

ومع تداول أخبار عن ضربات محتملة أو استهداف منشآت حساسة، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي روايات تتحدث عن “تسرب إشعاعي” أو “سحب نووية” قد تمتد إلى دول الجوار، ومنها مصر.

هذا الربط السريع بين أي تصعيد عسكري وكارثة إشعاعية يعكس تأثير الذاكرة الجماعية المرتبطة بحوادث كبرى مثل كارثة تشيرنوبل وكارثة فوكوشيما، حيث تجاوزت آثار الإشعاع حدود الدول ووصلت إلى مناطق بعيدة.

لكن المقارنة بين تلك الكوارث والوضع الحالي تحتاج إلى قدر كبير من الدقة، فالإشعاع النووي لا ينتشر تلقائيًا لمجرد وقوع ضربة عسكرية أو توتر سياسي، بل يتطلب سيناريو محددًا ومعقدًا، يتضمن حدوث تسرب كبير من مفاعل نووي، وفشل أنظمة الاحتواء، ثم توافر ظروف مناخية تساعد على انتقال المواد المشعة لمسافات طويلة.

في هذا السياق، يصبح السؤال الأهم هل يمكن أن تصل الإشعاعات إلى مصر فعليًا؟

الإجابة العلمية تقول إن ذلك ممكن نظريًا، لكنه صعب عمليًا، لأنه يعتمد على مجموعة من العوامل ، أهمها حجم التسرب، واتجاه الرياح، ومدة استمراره. فحتى في كارثة تشيرنوبل، التي تُعد من أسوأ الحوادث النووية في التاريخ، لم تتأثر جميع الدول بنفس الدرجة، بل كان التأثير متفاوتًا بشكل كبير بحسب العوامل الجوية، وفقا لتصريحات وكالة الطاقة الذرية.

أما فيما يتعلق بالمنطقة المحيطة بمصر، فإن الحديث يتركز غالبًا حول احتمال تأثر البلاد بمنشآت نووية قريبة، وعلى رأسها مفاعل ديمونا، الذي يقع في صحراء النقب.

هذا المفاعل، الذي يُعتقد أنه جزء من البرنامج النووي الإسرائيلي، يمثل مصدر قلق في أي سيناريو تصعيد عسكري واسع.

ورغم ذلك، فإن تقييم المخاطر المرتبطة به يتطلب فهمًا دقيقًا لطبيعة عمل المفاعلات النووية فهذه المنشآت مصممة بأنظمة أمان متعددة الطبقات، تهدف إلى منع تسرب المواد المشعة حتى في حالات الطوارئ.

لذلك، فإن مجرد وجود المفاعل لا يعني وجود خطر مباشر، بل إن التأثير الإشعاعي لا يحدث إلا في حال وقوع حادث كبير جدًا، مثل انفجار أو انهيار كامل في نظام الاحتواء.

حتى في هذه الحالة، فإن التأثير الأول يكون على المناطق القريبة جدًا من موقع المفاعل، بينما يتحدد مدى انتشار الإشعاع بعوامل الطقس، وعلى رأسها اتجاه الرياح.

وبالنظر إلى الموقع الجغرافي لمصر، فإن تأثرها المباشر يتطلب ظروفًا استثنائية، تجعل من هذا السيناريو احتمالًا ضعيفًا، وإن كان غير مستحيل نظريًا.

ولا يختلف الوضع كثيرًا بالنسبة للمنشآت النووية في إيران، مثل مفاعل بوشهر النووي، التي تقع على مسافة أكبر من مصر.

فكلما زادت المسافة، قلّ احتمال وصول تأثير إشعاعي مباشر، خاصة في ظل وجود أنظمة أمان حديثة وإجراءات دولية صارمة لمراقبة هذه المنشآت.

كيف يمكن أن تصل إشعاعات مفاعل ديمونا إلى مصر؟

لكي تتأثر مصر إشعاعيًا من ديمونا، يجب حدوث سيناريو غير اعتيادي، مثل تسرب كبير نتيجة حادث جسيم أو استهداف مباشر يؤدي إلى خروج مواد مشعة إلى الغلاف الجوي. في هذه الحالة، تتحول المواد المشعة إلى ما يُعرف بـ“سحابة إشعاعية”، تنتقل عبر الرياح.

العامل الحاسم هنا ليس المسافة فقط، بل اتجاه وسرعة الرياح. فإذا كانت الرياح شمالية شرقية مثلًا، قد تدفع السحابة نحو سيناء أو شرق مصر. لكن في أغلب الأحوال، تتبدد نسبة كبيرة من الإشعاع في الجو قبل أن تقطع هذه المسافات، ما يقلل التأثير بشكل كبير.

متى يصل الإشعاع إلى مصر؟

انتقال الإشعاع عبر الهواء قد يكون أسرع مما يتخيل البعض. في حال وجود رياح قوية ومباشرة، يمكن أن تصل آثار أولية خلال 24 إلى 72 ساعة من وقوع التسرب.

أما في الظروف الأبطأ، فقد يستغرق الانتشار عدة أيام إضافية.

ومع ذلك، كلما زادت المسافة، قلت شدة الإشعاع بسبب التخفيف الطبيعي في الهواء، لذلك، حتى لو وصلت آثار، غالبًا تكون بنسب منخفضة جدًا مقارنة بمصدرها الأصلي.

منظومة الرصد الإشعاعي

تمتلك مصر منظومة رصد دقيقة تابعة لـ هيئة الرقابة النووية والإشعاعية، تعمل على مدار الساعة. هذه الشبكة تضم أجهزة حساسة قادرة على اكتشاف أي زيادة even طفيفة في مستويات الإشعاع خلال ساعات قليلة جدًا من وصولها. بالإضافة إلى ذلك، يتم متابعة بيانات الأقمار الصناعية ونماذج حركة الرياح، بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما يسمح بتوقع وصول أي سحابة إشعاعية قبل حدوثها فعليًا.

في حال رصد أي ارتفاع غير طبيعي، يتم تفعيل خطط الطوارئ فورًا، والتي تشمل تقييم مستوى الخطر، وتحديد المناطق المتأثرة، وإصدار تعليمات للمواطنين إذا لزم الأمر. هذه الإجراءات قد تتضمن البقاء في المنازل، إغلاق النوافذ، أو منع استهلاك بعض المنتجات مؤقتًا. لكن من المهم التأكيد أن هذه السيناريوهات تُطبق فقط في حالات استثنائية، لأن أغلب الزيادات الطفيفة لا تشكل خطرًا حقيقيًا على الصحة العامة.

كما يتم التنسيق بشكل مستمر مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي تراقب الأنشطة النووية عالميًا وتوفر بيانات دقيقة في حالات الطوارئ.

هذه المنظومة تجعل من الصعب حدوث أي تغير في مستويات الإشعاع دون أن يتم اكتشافه فورًا، وهو ما يفسر الثقة التي عبّرت عنها الجهات الرسمية في بياناتها الأخيرة.

لكن رغم كل هذه الحقائق، يبقى السؤال لماذا تنتشر مثل هذه الشائعات بسرعة؟

يمكن القول إن الجدل الذي شهدته مصر لم يكن نتيجة خطر إشعاعي حقيقي، بل انعكاسًا لحالة توتر إقليمي، تزامنت مع نقص في المعلومات الدقيقة لدى الجمهور.

تبقى الحقيقة الأساسية هي أن التأثر بإشعاع نووي يتطلب ظروفًا معقدة ونادرة، وأن مصر وفق البيانات الرسمية بعيدة حاليًا عن أي خطر من هذا النوع.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً