تفرض محدودية الموارد المائية في مصر تحديات متزايدة أمام القطاع الزراعي، في ظل الحاجة إلى توفير الغذاء لعدد متزايد من السكان، والحفاظ على إنتاجية الأراضي الزراعية، وتقليل الاعتماد على استيراد المحاصيل الاستراتيجية من الخارج، ويعيد هذا الواقع طرح تساؤلات حول مستقبل التركيب المحصولي، ومدى إمكانية التوسع في زراعة المحاصيل الأقل استهلاكًا للمياه، باعتبارها أحد المسارات المطروحة لرفع كفاءة استخدام الموارد المتاحة.
وتشير دراسات اقتصادية زراعية إلى أهمية دراسة الاحتياجات المائية للمحاصيل وربطها بالإنتاجية والعائد الاقتصادي، بدلًا من الاعتماد على حجم الإنتاج وحده عند تحديد أولويات الزراعة.
وهنا تأتي، بحسب خبراء الموارد المائية والري، أهمية استنباط أصناف تحقق إنتاجية أعلى باستخدام كميات أقل من المياه، إلى جانب تطوير نظم الري، لكن التحول إلى محاصيل بديلة لا يرتبط بالاعتبارات المائية فقط، إذ يتطلب تقييم جدواها الاقتصادية، ومدى ملاءمتها للظروف المناخية والتربة المصرية، وقدرة المزارعين على تسويقها وتحقيق عائد مناسب منها، كما يفرض ضرورة الموازنة بين ترشيد المياه والحفاظ على إنتاج المحاصيل الاستراتيجية التي يعتمد عليها الأمن الغذائي.
ترشيد المياه يبدأ من رفع كفاءة استخدامها
وفي هذا الصدد، قال الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، إن الاستخدام الرشيد للمياه يمثل أحد المحاور المهمة في مواجهة التحديات التي تواجه الزراعة المصرية، إذ لا يرتبط الحل بزيادة الموارد المائية وحدها، وإنما يشمل أيضًا تحسين كفاءة استخدامها، وتطوير نظم الري، والاستفادة من نتائج الأبحاث الزراعية في استنباط أصناف تحقق إنتاجية مرتفعة باحتياجات مائية أقل.
وأَشار «شراقي» في تصريحات خاصة لـ«أهل مصر»، إلى أهمية استنباط أصناف أقل استهلاكًا للمياه، إلى جانب تطوير نظم الري، باعتبارهما من الوسائل التي تساعد على الاستفادة من الموارد المتاحة، إذ يحتاج تقييم هذه الحلول إلى تحديد حجم الوفر الذي يمكن تحقيقه لكل محصول، مع مراعاة اختلاف طبيعة الأراضي والظروف المناخية وطرق الزراعة.
وأكد خبير الموارد المائية، على أهمية وضع الاحتياجات المائية ضمن معايير اختيار المحاصيل، مع عدم إغفال دور الإنتاجية والعائد الغذائي والاقتصادي، إذ التحدي يتمثل في زيادة كفاءة استخدام كل وحدة مياه، والحفاظ في الوقت نفسه على قدرة القطاع الزراعي على تلبية احتياجات السوق المحلية.
التركيب المحصولي يحتاج إلى موازنة اقتصادية
في نفس السياق، قال الدكتور سعد زكي نصار، أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة ومستشار وزير الزراعة الأسبق، إن التوسع في المحاصيل الأقل استهلاكًا للمياه، يتطلب دراسة اقتصادية متكاملة تقارن بين الاحتياجات المائية للمحاصيل، وتكاليف إنتاجها، والعائد الذي تحققه للمزارع، ومدى احتياج السوق إليها، إذ إن ترشيد المياه لا ينبغي أن يكون هدفًا منفصلًا عن تحقيق الأمن الغذائي والحفاظ على الجدوى الاقتصادية للنشاط الزراعي.
وأضاف أستاذ الاقتصاد الزراعي في تصريحات خاصة لـ «أهل مصر»، أن الدراسات الاقتصادية تُشير إلى أن كفاءة استخدام المياه تختلف من محصول إلى آخر، سواء من حيث كمية الإنتاج الناتجة عن وحدة المياه أو القيمة الاقتصادية المتحققة منها، ومن ثم، فإن تحديد المحاصيل التي تستحق التوسع يتطلب الاستناد إلى بيانات محدثة تراعي الإنتاجية والأسعار وتكاليف مستلزمات الإنتاج والطلب المحلي.
وأكد أن نجاح يتطلب أي تغيير في التركيب المحصولي توفير حوافز مناسبة للمزارعين، وتحسين منظومة التسويق، وضمان وجود طلب على المحاصيل البديلة.
ضمان التسويق شرط لنجاح تغيير المحاصيل
على صعيد متصل، قال حسين عبدالرحمن ابوصدام الخبير الزراعي والنقيب العام للنقابة العامة للفلاحين، إن المزارع يمثل عنصرًا أساسيًا في نجاح أي توجه نحو التوسع في المحاصيل الأقل استهلاكًا للمياه، إذ يرتبط قراره الزراعي بتكلفة الإنتاج والعائد المتوقع وإمكانية تسويق المحصول، ولذلك، فإن تشجيع المزارعين على تغيير المحاصيل التي اعتادوا زراعتها يحتاج إلى توعية فنية وحوافز اقتصادية واضحة.
وأضاف نقيب الفلاحين في تصريحات خاصة لـ «أهل مصر»، أن التحديات التي ينبغي مناقشتها مع ممثلي المزارعين، تشمل مدى توافر التقاوي المناسبة، وتكلفة مستلزمات الإنتاج، واحتياجات المحاصيل البديلة إلى العمالة والري، فضلًا عن ضمان وجود منافذ لتسويق الإنتاج بأسعار تحقق هامش ربح مناسبًا.
وأشار إلى أهمية تعزيز دور الإرشاد الزراعي في تعريف المزارعين بالبدائل الملائمة لكل منطقة، وتقديم الدعم الفني اللازم لتطبيق أساليب الري الحديثة وتحسين الإنتاجية، إذ يظل نجاح التحول مرتبطًا بوجود سياسة متكاملة تجمع بين الحفاظ على الموارد المائية، وتأمين احتياجات السوق، وحماية مصالح المزارعين.