ads
ads

خريطة نتنياهو.. هل أصبح "الدعم السريع" ورقة في مشروع النفوذ الإسرائيلي بالقرن الأفريقي؟

نتنياهو
نتنياهو

لم يكن ظهور السودان وقوات الدعم السريع في دائرتين مختلفتين على الخريطة التي عرضها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مجرد تفصيل جغرافي عابر، بل أثار تساؤلات سياسية واستراتيجية واسعة بشأن طبيعة المصالح الإقليمية المتشابكة في الحرب السودانية، وموقع أطراف الصراع داخل حسابات القوى الدولية والإقليمية.

ففي الوقت الذي ظهر فيه السودان ضمن دائرة الدول الصديقة لمحور يضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان، ظهرت مناطق سيطرة قوات الدعم السريع ضمن دائرة أخرى توصف بأنها قريبة من إسرائيل والإمارات. ويطرح هذا التباين سؤالًا جوهريًا: هل أصبحت الحرب في السودان جزءًا من صراع أوسع على النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، أم أن الخريطة تعكس مجرد قراءة سياسية لتوازنات إقليمية متغيرة؟

## خريطة نتنياهو.. كيف جرى تصنيف السودان والدعم السريع؟

في 18 أكتوبر 2026، عرض بنيامين نتنياهو خريطة للتحالفات والاصطفافات الإقليمية خلال إحاطة إعلامية تناولت العقيدة الأمنية الإسرائيلية الجديدة والتهديدات التي تواجه إسرائيل.

وتضمنت الخريطة ثلاثة تجمعات رئيسية، أبرزها ما أطلق عليه «التحالف السداسي»، الذي يتمحور حول إسرائيل والإمارات، وما يعرف بـ«الماسة السنية»، التي تضم السعودية ومصر وتركيا وباكستان، إلى جانب محور إيران وحلفائها.

ووفقًا للخريطة، ظهرت إسرائيل والإمارات باللون الأزرق الداكن، بينما ظهرت مناطق سيطرة قوات الدعم السريع باللون الأزرق الفاتح، ضمن دائرة الأطراف المصنفة على أنها صديقة أو قريبة من هذا التجمع.

وفي المقابل، ظهر السودان باللون الأخضر الفاتح، ضمن دائرة الدول الصديقة للمجموعة التي تضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان.

واللافت أن الخريطة لم تتعامل مع السودان باعتباره دولة ذات موقف موحد، بل فصلت بين الدولة ومناطق سيطرة القوة المسلحة التي تخوض حربًا ضد الجيش السوداني منذ أبريل 2023.

ومن المهم الإشارة إلى أن الخريطة ليست اتفاقية تحالف أو وثيقة استخباراتية تثبت وجود علاقات رسمية بين جميع الأطراف المصنفة فيها، وإنما هي تصور جيوسياسي للاصطفافات الإقليمية.

من أين جاءت الخريطة؟ وما دلالة استخدامها إسرائيليًا؟

بحسب تقارير إعلامية، فإن الخريطة التي استخدمها نتنياهو تعود إلى دراسة أعدها باحثان هما مارك ساكسِر وماركوس شنايدر، ونشرتها مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية في مايو 2026.

وتتناول الدراسة التحولات في موازين القوى الإقليمية، وتصور تشكل تكتلات جديدة تتجاوز التحالفات التقليدية، مع تزايد أهمية العلاقات الأمنية والاقتصادية والجغرافية بين دول الشرق الأوسط والقرن الأفريقي.

لكن إعادة عرض الخريطة بواسطة نتنياهو تمنحها دلالة سياسية إضافية، خصوصًا أنها جاءت ضمن تقديم رؤية إسرائيلية للأمن القومي، تقوم على توسيع شبكة الشراكات الإقليمية والتعامل مع التهديدات من خلال بناء مناطق نفوذ وتحالفات جديدة.

كما أن توقيت العرض، قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر 2026، يفتح المجال لقراءة داخلية مرتبطة بمحاولة نتنياهو تقديم نفسه باعتباره القائد القادر على حماية أمن إسرائيل وتعزيز موقعها الإقليمي.

وبالتالي، لا يمكن قراءة الخريطة باعتبارها مجرد رسم توضيحي، بل باعتبارها أداة لتقديم تصور سياسي عن شكل المنطقة ومواقع القوى التي تراها إسرائيل قريبة من مصالحها أو متعارضة معها.

لماذا ظهر السودان في دائرة والدعم السريع في دائرة أخرى؟

تكمن أهمية هذا التصنيف في أنه يعكس التمييز بين مؤسسات الدولة السودانية وبين القوى المسلحة التي تسيطر على أجزاء من أراضيها.

فالسودان، وفق التصور المعروض، يقع ضمن دائرة قريبة من مصر والسعودية وتركيا وباكستان، وهي دول تمتلك مصالح مباشرة في استقرار السودان ووحدة أراضيه، فضلًا عن ارتباط أمنها بالتطورات السياسية والعسكرية داخله.

في المقابل، جرى إدراج مناطق سيطرة الدعم السريع ضمن دائرة قريبة من إسرائيل والإمارات، وهو تصنيف يرتبط بقراءة أوسع للنفوذ الإقليمي والعلاقات المتشابكة مع أطراف مسلحة وكيانات محلية في مناطق استراتيجية.

وهنا تظهر نقطة بالغة الأهمية: الخريطة لا تقول إن السودان أصبح حليفًا رسميًا لهذه المجموعة، ولا إن قوات الدعم السريع وقعت اتفاقًا معلنًا مع إسرائيل، وإنما تضع كل طرف في دائرة تقارب مختلفة وفق تقدير معدّيها.

وهذا الفصل يحمل دلالة سياسية، لأنه يوضح كيف يمكن أن تتحول السيطرة على الأراضي والموارد والمعابر الحدودية إلى عنصر مؤثر في الحسابات الإقليمية، بعيدًا عن الاعتراف الرسمي بالدول والحكومات.

المصالح الإماراتية والإسرائيلية.. ما الذي يجعل السودان مهمًا؟

لا يمكن فهم وضع الدعم السريع في الدائرة الزرقاء دون النظر إلى طبيعة المصالح الإماراتية في السودان والقرن الأفريقي، والعلاقات الاستراتيجية التي تربط أبوظبي بتل أبيب.

تمثل الإمارات لاعبًا إقليميًا مؤثرًا في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، حيث تتداخل مصالحها التجارية والاقتصادية والأمنية مع الموانئ وخطوط الملاحة والممرات البحرية ومناطق النفوذ في عدد من الدول الأفريقية.

ويكتسب السودان أهمية استثنائية في هذه الحسابات بسبب موقعه على البحر الأحمر، وامتلاكه ساحلًا طويلًا وموانئ استراتيجية، فضلًا عن موارده الزراعية والمعدنية، وموقعه الذي يربط شمال أفريقيا بمنطقة الساحل والقرن الأفريقي.

وفي هذا السياق، تبرز الاتهامات الموجهة للإمارات بتقديم دعم عسكري ولوجستي لقوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي باستمرار.

لكن هذه الاتهامات لم تعد مقتصرة على التصريحات السياسية المتبادلة؛ ففي سبتمبر 2026، نقلت وكالة أسوشيتد برس عن بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن شبكات عابرة للحدود وفرت للدعم السريع أسلحة وإمدادات لوجستية وتدريبًا ومقاتلين أجانب، وأن أفرادًا وكيانات مرتبطة بالإمارات لعبوا دورًا مهمًا في شبكات التجنيد والتمويل والنقل وتقديم الدعم العسكري الذي استفادت منه القوات.

ومع ذلك، يجب التمييز بين ما توصلت إليه التحقيقات بشأن شبكات الدعم، وبين إثبات وجود تحالف سياسي أو عسكري مباشر بين إسرائيل والدعم السريع؛ فالأمر الثاني لا تثبته الخريطة ولا يكفي لإثباته تقارب المصالح.

البحر الأحمر والقرن الأفريقي.. ساحة الصراع الأكبر

تتجاوز أهمية السودان حدود الصراع الداخلي، إذ يمثل موقعه الجغرافي نقطة اتصال بين البحر الأحمر والقرن الأفريقي ومنطقة الساحل، وهي مناطق تشهد تنافسًا متزايدًا بين القوى الإقليمية والدولية.

ويعد البحر الأحمر أحد أهم الممرات التجارية في العالم، إذ تمر عبره حركة واسعة من التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا، كما ترتبط أهميته بقربه من قناة السويس ومضيق باب المندب.

ومن هنا، فإن أي طرف يمتلك نفوذًا سياسيًا أو عسكريًا داخل السودان يمكن أن يكون له تأثير على التوازنات الأمنية والاقتصادية في هذه المنطقة.

وتكتسب إثيوبيا بدورها أهمية في هذه المعادلة، خصوصًا مع ظهورها ضمن الدائرة القريبة من إسرائيل والإمارات في الخريطة، مقابل ظهور إريتريا والصومال والسودان ضمن الدائرة المقابلة.

ويكشف ذلك عن أن التصور المعروض لا يركز فقط على أطراف الحرب السودانية، بل يتناول شبكة أوسع من العلاقات والتحالفات المحتملة في القرن الأفريقي.

وبالتالي، فإن السودان لا يمثل مجرد ساحة نزاع محلي، بل موقعًا استراتيجيًا تتقاطع فيه مصالح الدول المطلة على البحر الأحمر، والقوى الساعية إلى تعزيز حضورها في أفريقيا، فضلًا عن الأطراف الدولية المهتمة بأمن الممرات البحرية والتجارة العالمية.

لماذا تتمسك مصر والسعودية باستقرار السودان؟

على الجانب الآخر، فإن ظهور السودان ضمن الدائرة القريبة من مصر والسعودية وتركيا وباكستان يعكس تقاطع مجموعة من المصالح الاستراتيجية.

فبالنسبة إلى مصر، يمثل السودان عمقًا استراتيجيًا مباشرًا، وترتبط الدولتان بحدود جغرافية طويلة، فضلًا عن المصالح المشتركة المتعلقة بنهر النيل والأمن الحدودي ومنع انتشار الجماعات المسلحة.

أما السعودية، فتتعامل مع استقرار السودان باعتباره جزءًا من أمن البحر الأحمر، خصوصًا أن استمرار الحرب يهدد حركة الملاحة ويزيد احتمالات انتقال الاضطرابات إلى الدول المجاورة.

وتنظر تركيا إلى السودان باعتباره دولة ذات أهمية استراتيجية في علاقاتها الأفريقية، بينما يرتبط دخول باكستان في هذا التجمع بتطور العلاقات الدفاعية والسياسية مع السعودية، وفق التصور الذي تعرضه الخريطة.

وفي هذا الإطار، لا يعني إدراج السودان ضمن دائرة الأصدقاء أن الدول الأربع تمتلك بالضرورة موقفًا متطابقًا بشأن جميع تفاصيل الحرب، لكنه يشير إلى وجود مصالح مشتركة في منع تفكك الدولة السودانية وتوسيع نطاق الفوضى الإقليمية.

وتعكس هذه المصالح اختلافًا جوهريًا في الأولويات بين القوى التي تسعى إلى الحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدة أراضيها، والأطراف التي قد تستفيد من علاقات النفوذ مع قوى محلية ومسلحة.

هل يعني التصنيف وجود تحالف رسمي بين إسرائيل والدعم السريع؟

رغم الدلالات السياسية التي أثارها ظهور قوات الدعم السريع ضمن دائرة أصدقاء إسرائيل والإمارات، فإن التعامل مع الخريطة باعتبارها دليلًا قاطعًا على وجود تحالف رسمي سيكون استنتاجًا يتجاوز المعلومات المتاحة.

فمصطلح الحلفاء في الخريطة يعبر عن تصور لدرجات التقارب والاصطفاف السياسي والاستراتيجي، وليس بالضرورة عن اتفاقيات دفاع مشترك أو علاقات دبلوماسية معلنة.

كما أن وضع إسرائيل والإمارات في تجمع واحد لا يعني أن جميع الأطراف الموجودة في دائرته تتلقى دعمًا مباشرًا منهما أو تنسق معه عسكريًا.

لكن أهمية الخريطة تكمن في أنها تكشف كيف تنظر إسرائيل إلى بعض القوى المسلحة والكيانات المحلية باعتبارها أطرافًا يمكن أن تتقاطع مصالحها مع شبكة تحالفاتها الإقليمية.

وهذا يفتح باب التساؤلات حول مستقبل السودان، ومدى إمكانية تحوله إلى ساحة تنافس بالوكالة بين القوى الإقليمية، خصوصًا مع استمرار الحرب وتعدد الأطراف الخارجية المؤثرة فيها.

مستقبل الحرب السودانية.. هل تتجه البلاد إلى مزيد من الانقسام؟

تزداد خطورة هذه الاصطفافات في ظل استمرار الانقسام العسكري والجغرافي داخل السودان، وتراجع فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة.

فبحسب التقييم البريطاني للوضع الأمني في السودان الصادر في يوليو والمحدّث في سبتمبر 2026، يسيطر الدعم السريع على مناطق واسعة من غرب البلاد، بينما يسيطر الجيش على مناطق الشرق وأجزاء واسعة من البلاد، مع استمرار القتال في كردفان ومناطق أخرى.

ويعني هذا الواقع أن السيطرة على الأراضي أصبحت عنصرًا أساسيًا في حسابات الأطراف المحلية والخارجية، وأن استمرار تدفق السلاح والإمدادات يهدد بإطالة أمد الحرب وتعقيد فرص التسوية.

ولا تقتصر المخاطر على التوازن العسكري، بل تمتد إلى احتمالات ترسيخ سلطات متنافسة، وتراجع سلطة المؤسسات المركزية، وتحول المناطق الحدودية إلى ممرات للنفوذ والتدخلات الخارجية.

وفي ظل هذه الظروف، يصبح الحفاظ على وحدة السودان ومنع تفكك مؤسساته تحديًا يتجاوز أطراف الحرب نفسها، ليصبح قضية مرتبطة بأمن المنطقة بأكملها.

وتكشف خريطة نتنياهو عن تصور إسرائيلي لمنطقة تتشكل فيها تحالفات جديدة، وتتنافس فيها القوى الإقليمية على النفوذ في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي والبحر الأحمر.

ويظل أبرز ما أثارته الخريطة هو الفصل بين السودان كدولة، وقوات الدعم السريع باعتبارها قوة تسيطر على أجزاء من أراضيه، ووضع كل منهما في دائرة إقليمية مختلفة.

وهذا التصنيف يسلط الضوء على التداخل بين الحرب السودانية والتنافس الإقليمي، لكنه لا يشكل بمفرده دليلًا على وجود تحالف رسمي بين إسرائيل والدعم السريع.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً