مع حلول شهر رمضان الكريم، تتواصل سلسلة «أهل مصر» بعنوان 'حكاية هدف'، تلك الرحلة الكروية التي نستعيد فيها أهدافًا لم تكن مجرد تسديدات هزّت الشباك، بل لحظات صنعت مجدًا وبطولات وخلّدت أسماء في ذاكرة الجماهير.
وفي الحلقة الثانية، نعود إلى أنجولا 2010… إلى الدقيقة 85 من نهائي كأس الأمم الإفريقية، عندما أطلق محمد ناجي جدو تسديدة كتبت التاريخ ومنحت منتخب مصر إنجازًا غير مسبوق في القارة السمراء.
جدو
الطريق إلى النهائي.. ثقة لا تهتز
دخل منتخب مصر بطولة كأس الأمم الإفريقية 2010 وهو يحمل لقبين متتاليين، لكنه لم يكن مرشحًا بقوة لدى البعض بعد الإخفاق في التأهل لكأس العالم. غير أن رجال المدرب حسن شحاتة قرروا الرد داخل الملعب.تصدر الفراعنة المجموعة الثالثة بالعلامة الكاملة (9 نقاط)، متفوقين على نيجيريا، قبل أن يعبروا الكاميرون في ربع النهائي بنتيجة 3-1، ثم يلقنوا الجزائر درسًا قاسيًا برباعية نظيفة في نصف النهائي، ليضربوا موعدًا مع غانا في المشهد الختامي.
البديل الذهبي
لم يكن جدو نجمًا أساسيًا في التشكيل، بل ورقته الرابحة من على دكة البدلاء، سجل أمام نيجيريا في الدقيقة 87، وأمام موزمبيق في الدقيقة 82، ثم أمام الكاميرون في الدقيقة 92، وبعدها أمام الجزائر في الدقيقة 92 أيضًا.
أربعة أهداف حاسمة من مقاعد الاحتياط… قبل أن تأتي اللحظة الأكبر في النهائي.
جدو
الدقيقة 85.. رصاصة الرحمة
في المباراة النهائية أمام غانا، ظلت النتيجة معلقة، والتوتر يسيطر على الجميع. وقبل الهدف بثوانٍ، تساءل المعلق التونسي الشهير عصام الشوالي:“هل ستصل مصر وغانا للوقت الإضافي للمرة الثامنة في التاريخ؟”، لكن الإجابة جاءت سريعًا، تبادل جدو الكرة مع محمد زيدان في الجهة اليسرى، وسط حصار دفاعي من ثلاثة لاعبين، قبل أن يسددها بذكاء في الزاوية البعيدة بالدقيقة 85.
صرخة الشوالي دوّت في أرجاء القارة:“سدد… جوووول! أه يا جدو… تاريخ تاريخ!”
لم يكن هدفًا عاديًا، بل إعلانًا رسميًا بأن مصر ستصبح أول منتخب في تاريخ البطولة يحقق اللقب ثلاث مرات متتالية.
كواليس اللقطة.. اتفاق في لحظة
كشف زيدان لاحقًا أنه تحدث مع جدو فور نزوله، واتفقا على الاقتراب من بعضهما بمجرد استلام الكرة، خوفًا من اللجوء إلى وقت إضافي قد يكون مرهقًا.
وعندما وصلت الكرة، ركض زيدان نحوه، استلمها وأعادها سريعًا، قاصدًا تمريرها بين أقدام المدافع، قبل أن يُنهي جدو المهمة ببرودة أعصاب تحسد عليها.
يقول زيدان إنه لم يشاهد الهدف بوضوح في الملعب، لكنه بعد العودة إلى مصر ظل يردد لجدو: “مش قلت لك… مش قلت لك”.
أما جدو، فاعتبر الهدف الأفضل في مسيرته، مؤكدًا أن توقيته وقيمته التاريخية جعلاه الأغلى على الإطلاق، خاصة أنه جاء أمام منتخب غاني قوي ومرعب في ذلك الوقت.
زيدان والحضري
من دكة البدلاء إلى هداف القارة
بخمسة أهداف، تُوّج جدو هدافًا للبطولة، رغم أنه لم يبدأ مباراة واحدة أساسيًا. لقب “البديل السوبر” التصق باسمه، وتحول فجأة إلى بطل عناوين الصحف الإفريقية والعالمية.
عروض الاحتراف انهالت عليه، بينها عرض من نادي الاتحاد السعودي، قبل أن ينضم لاحقًا إلى الأهلي المصري، لتبدأ مرحلة جديدة في مسيرته.
إنجاز لا يتكرر
بانتصار أنجولا، أصبح منتخب مصر أول منتخب يحقق ثلاثية متتالية في كأس الأمم الإفريقية، محطمًا الأرقام السابقة، ومؤكدًا أن جيل 2006–2008–2010 كان جيلًا استثنائيًا بكل المقاييس.
لم تكن تسديدة جدو مجرد كرة في الشباك، بل كانت تتويجًا لمسيرة كفاح لاعب بدأ البطولة بديلًا، وأنهاها هدافًا وبطلًا.
أحيانًا، لا يحتاج التاريخ سوى 90 دقيقة…وأحيانًا أخرى، يحتاج إلى دقيقة 85 فقط.