فرضت المنتخبات العربية حضورها في كأس العالم 2026، بعدما قدمت مستويات لافتة عكست التطور الذي تشهده الكرة العربية في السنوات الأخيرة، حيث نجح منتخب مصر في بلوغ دور الـ16 قبل أن يودع البطولة أمام الأرجنتين، فيما وصل المنتخب المغربي إلى الدور ربع النهائي قبل أن تنتهي رحلته بالخسارة أمام فرنسا، بينما قدمت منتخبات أخرى مثل الأردن والعراق مشاركات حملت العديد من المؤشرات الإيجابية رغم الخروج المبكر.
وفي حوار خاص مع «أهل مصر»، تحدث طارق زياد، محلل أداء منتخب فلسطين ومدرب الكرات الثابتة، عن تقييمه لمشاركة المنتخبات العربية في المونديال، وأسباب تطورها، ورأيه في أداء منتخب مصر، وإشادته بمصطفى زيكو وحسام حسن، كما كشف رؤيته لمستقبل الكرة العربية وإمكانية منافسة كبار العالم.
وإليكم نص الحوار..
بداية.. كيف رأيت مشاركة المنتخبات العربية في كأس العالم؟ ومن أكثر منتخب أثار إعجابك؟
في الحقيقة، كانت المشاركة العربية في كأس العالم متفاوتة؛ فبعض المنتخبات لم تظهر بالمستوى المتوقع أو بالشكل الذي اعتدنا رؤيته منها، بينما قدمت منتخبات أخرى مستويات جيدة، ونجحت في تطوير أدائها من مباراة إلى أخرى.
أكثر المنتخبات العربية التي أثارت إعجابي كان منتخب مصر، إذ أصبح يمتلك شخصية واضحة وهوية فنية مميزة، ونجح في أن يكون ندًا قويًا أمام منتخبات كبيرة.
بالنسبة لمنتخب مصر.. كيف رأيت أداءه في كأس العالم؟ ومن أكثر لاعب فاجأك أداؤه في البطولة؟
أستطيع القول إن منتخب مصر كان من أكثر المنتخبات تطورًا خلال البطولة. فقد ظهر بروح قتالية عالية، وشخصية قوية، وأفكار تكتيكية واضحة، وهو ما لم نجده لدى بعض المنتخبات التي تضم لاعبين ينشطون في أفضل الدوريات العالمية.
أما على صعيد اللاعبين، فأعتقد أن مصطفى زيكو كان مفاجأة البطولة بالنسبة لي. فعلى الرغم من قلة عدد مبارياته الدولية، فإنه قدم مستويات مميزة وأثبت أنه على قدر المسؤولية. فهو يمتلك رؤية جيدة، وحسًا تهديفيًا عاليًا، والأهم من ذلك تحركاته الذكية التي تعكس نضجًا تكتيكيًا لافتًا.
ولا بد من الإشارة أيضًا إلى أن مصطفى زيكو لاعب محلي لم يخض تجربة الاحتراف الخارجي، ومع ذلك كان خير سفير للدوري المصري، الذي أراه من أكثر الدوريات المظلومة إعلاميًا، ولا يحظى بالتقدير الذي يستحقه رغم ما يزخر به من إمكانات.
كما لا بد من الإشادة بالكابتن حسام حسن، الذي آمن بقدرات اللاعب ومنحه الثقة والفرصة في الوقت المناسب، فكان زيكو عند حسن الظن، ورد هذا الإيمان بأداء مميز ومستويات أكدت أنه يستحق هذه الثقة.
طارق زياد محلل أداء منتخب فلسطين ومدرب الكرات الثابتة
كيف رأيت لقطة حسام حسن برفع علم فلسطين في الملاعب؟ وما آثار هذه اللقطة على الشعب الفلسطيني؟
كل الشكر والتقدير للكابتن حسام حسن على موقفه الإنساني الشجاع، حين قال كلمة الحق وأعلن دعمه للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، ورفض الإبادة التي يتعرض لها شعبنا.
حسام حسن بعلم فلسطين
لقد كان موقفًا مشرفًا يعكس القيم الأصيلة للشعب المصري، ويعبّر عن صوت كل حر يؤمن بالعدالة والكرامة الإنسانية. وقد لاقى هذا الموقف كل التقدير والاعتزاز من أبناء شعبنا، لأنهم وجدوا من ينقل معاناتهم ويعبّر عنها في أحد أكبر المحافل الدولية، في وقت يحتاج فيه صوت الحق إلى من يرفعه بشجاعة ومسؤولية.
بالنسبة للمنتخب المغربي.. ما رأيك فيما قدمه في المونديال؟ وما سبب خروجه أمام فرنسا؟
يُعد المنتخب المغربي واحدًا من أفضل المنتخبات العربية والإفريقية، بل ومن أبرز المنتخبات على المستوى العالمي. ومع ذلك، لم أشعر بأنه قدم بطولة استثنائية بالشكل المتوقع، إذ لم يظهر بالمستوى المطلوب في عدد من المباريات، وكان آخرها أمام كندا وفرنسا، حيث افتقد شخصيته المعهودة ولم يفرض أسلوبه بالصورة التي كنا ننتظرها.
وبرأيي، فإن الجودة الفردية الكبيرة التي يمتلكها اللاعبون كانت العامل الأبرز في وصول المنتخب إلى الدور ربع النهائي. ويكفي أن نستعيد الهدف الذي سجله أمام البرازيل حتى ندرك حجم الإمكانات الفردية الموجودة في الفريق؛ فقد بدأ التحول الهجومي من نصير مزراوي، ظهير مانشستر يونايتد، ثم وصلت الكرة إلى إبراهيم دياز، جناح ريال مدريد، الذي مررها بدوره إلى إسماعيل صيباري، لاعب بايرن ميونخ، قبل أن يترجمها الأخير إلى هدف.
وأعتقد أن أحد الأسباب الرئيسية لعدم ظهور المغرب بصورة أقوى هو ضيق الوقت الذي حصل عليه الجهاز الفني للعمل مع اللاعبين، خاصة أن الجهاز بقيادة الكابتن محمد وهبي تولى المهمة في شهر مارس الماضي، أي قبل انطلاق البطولة بنحو ثلاثة أشهر فقط. وهذه مدة قصيرة نسبيًا لا تسمح لأي مدرب بتطبيق أفكاره بصورة كاملة، أو بناء منظومة فنية مستقرة تنسجم مع إمكانات اللاعبين وجودتهم.
من وجهة نظرك، لماذا لم تتمكن منتخبات مثل الأردن والعراق من مواصلة المشوار في المونديال؟
بالنسبة للمنتخبين الأردني والعراقي، فقد كانت هذه المشاركة الأولى في تاريخ الأردن والثانية للعراق. ورغم أن النتائج لم تكن في صالحهما، فإنهما قدما مباريات جيدة وأظهرا شخصية تنافسية تستحق الإشادة.
وأعتقد أن القرعة لم تخدم المنتخبين، إذ أوقعتهما في مجموعات لم تكن سهلة، كما بدا واضحًا أن عامل قلة الخبرة والاحتكاك في مثل هذه البطولات الكبرى كان له تأثير على الأداء في بعض اللحظات الحاسمة. ومع ذلك، فإن المشاركة تُعد خطوة إيجابية يمكن البناء عليها مستقبلًا، من خلال تعزيز الجوانب الإيجابية، واكتساب المزيد من الخبرة، والعمل على معالجة الأخطاء، بما يسهم في ظهور المنتخبين بصورة أفضل في الاستحقاقات المقبلة.
من وجهة نظرك، ما السبب وراء تطور المنتخبات العربية؟ وهل أصبحت قادرة على منافسة المنتخبات الكبرى في المونديال؟
أصبحت العديد من المنتخبات العربية تضم عددًا متزايدًا من اللاعبين المحترفين في الخارج، وهو ما انعكس إيجابيًا على جودة هذه المنتخبات ومستوى أدائها. كما أن عددًا من الدول العربية يواصل الاستثمار في تطوير مسابقاته المحلية والارتقاء ببنيتها الفنية والتنظيمية، الأمر الذي يسهم في رفع مستوى اللاعبين، ويعود بالنفع على المنتخبات الوطنية ويعزز قدرتها على المنافسة.
متى يمكن للمنتخبات العربية أن تحقق كأس العالم؟ وهل ما زالت بحاجة إلى المزيد من التطور؟
نعم، ما زالت المنتخبات العربية بحاجة إلى المزيد من التطور، فما زالت هناك فجوة بينها وبين المنتخبات العالمية. فعلى الرغم من الاهتمام بتطوير المسابقات المحلية واحتراف عدد متزايد من اللاعبين، فإن هناك قصورًا واضحًا في مرحلة تأسيس اللاعبين وإعدادهم في الفئات السنية وفق أسس علمية ومنهجية.
ففي كثير من الأحيان، ينصب اهتمام الأندية على الفريق الأول، فتتعاقد مع أجهزة فنية أجنبية جديدة بشكل شبه سنوي، وتنفق ميزانيات ضخمة لتحقيق نتائج سريعة، بينما لا يحظى قطاع الفئات السنية بالاهتمام نفسه، سواء من حيث الكوادر الفنية أو البرامج التطويرية، وهو ما يجب العمل على معالجته إذا أرادت المنتخبات العربية الوصول إلى المنافسة الحقيقية على لقب كأس العالم.
بالنسبة للمنتخب الفلسطيني.. كيف تسير الأمور معكم الآن على مستوى التدريبات واكتشاف المواهب؟
نحن في المنتخب الفلسطيني نعمل بلا كلل، رغم شح الإمكانيات وكثرة التحديات التي نواجهها. فجميع أفراد المنظومة، من الجهازين الفني والإداري إلى اللاعبين، ينظرون إلى ما يقومون به على أنه مهمة وطنية قبل أن يكون عملاً رياضياً.
هدفنا الدائم هو المنافسة بأفضل صورة ممكنة، وتشريف فلسطين، وتمثيل قضيتنا في مختلف المحافل الدولية من خلال الأداء، والالتزام، والروح القتالية التي تعكس هوية شعبنا وإصراره.
- وما رأيكم فيما يقدمه لاعبو فلسطين في الدوري المصري؟ ومَن أكثر لاعب أثار إعجابكم بأدائه في الموسم الماضي؟
في البداية، اسمح لي أن أتوجه بجزيل الشكر إلى الاتحاد المصري لكرة القدم والاتحاد القطري لكرة القدم، تقديراً لمواقفهما الداعمة لكرة القدم الفلسطينية، ولقرارهما معاملة اللاعب الفلسطيني كلاعب محلي في مسابقاتهما المحلية. وهي خطوة تجسد عمق العلاقات الأخوية، وتعكس دعماً حقيقياً لكرة القدم الفلسطينية في ظل التوقف القسري للنشاط الرياضي داخل فلسطين، والذي استمر لثلاثة مواسم بسبب حرب الإبادة.
أما على صعيد اللاعبين، فقد ظهر عدد منهم بمستويات مميزة خلال الموسم الماضي. فكان عدي الدباغ وآدم كايد ضمن صفوف الزمالك المتوج بلقب الدوري، كما توّج حامد حمدان بلقب كأس مصر مع بيراميدز، وحقق عميد صوافطة ومصطفى زيدان لقب كأس عاصمة مصر مع المصري.
ونتطلع إلى أن يواصل اللاعبون الفلسطينيون تطورهم واكتساب المزيد من الخبرة خلال الموسم الجديد، خاصة في ظل انضمام عدد أكبر من اللاعبين الفلسطينيين إلى الأندية المصرية، وهو ما من شأنه أن ينعكس إيجاباً على مستواهم الفني، ويعزز خيارات المنتخب الفلسطيني في الاستحقاقات المقبلة.