أكد الدكتور حسن الدعجة، أستاذ العلوم السياسية من عمّان، أن مواقف الولايات المتحدة وإيران لا تزال متباعدة، رغم التحركات الدبلوماسية الرامية إلى خفض التصعيد وفتح مسار للتفاوض، مشيرًا إلى أن تمسّك كل طرف بشروطه يحول دون الوصول إلى تفاهمات مشتركة.
وقال الدعجة، خلال مداخلة هاتفية عبر قناة «القاهرة الإخبارية»، إن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عكست بوضوح استمرار الخلاف بين واشنطن وطهران، موضحًا أن الطرفين يبعثان برسائل سياسية متباينة بشأن مستقبل المواجهة وإمكان العودة إلى طاولة المفاوضات.
وأوضح أستاذ العلوم السياسية أن ترامب تحدث عن خفض التصعيد وإنهاء الحرب والدفع باتجاه المفاوضات، لكنه في الوقت نفسه أطلق تهديدات شديدة اللهجة تجاه إيران، بالتزامن مع استمرار الضغوط الاقتصادية عليها.
وأضاف أن الجمع بين الدعوة إلى التفاوض والتهديد والتصعيد الاقتصادي أصبح سمة متكررة في الخطاب الأمريكي، وهو ما يجعل الموقف السياسي لواشنطن أقل وضوحًا بالنسبة إلى طهران.
وفي المقابل، أكد بزشكيان، بحسب الدعجة، أن إيران ستدافع عن نفسها وسترد على ما تعتبره اعتداءات أمريكية، مشيرًا إلى أن طهران تربط السماح بمرور السفن عبر مضيق هرمز برفع الحصار والتوصل إلى مسار تفاوضي يراعي شروطها.
وأشار الدعجة إلى أن إيران تتمسك بمجموعة من الشروط للعودة إلى المفاوضات، من بينها وقف الحرب ورفع الحصار والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، إلى جانب شروط أخرى مرتبطة بمسار التفاوض ومخرجاته.
وفي المقابل، تتمسك الولايات المتحدة، وفقًا لتقديره، بفتح مضيق هرمز والبدء في بحث الملف النووي الإيراني، بينما لا يزال الخلاف قائمًا بشأن الأموال الإيرانية المجمدة وآلية التصرف فيها.
وقال إن الاجتماعات والتحركات التي شهدتها أروقة الأمم المتحدة هدفت إلى احتواء التصعيد ومحاولة إعادة الأطراف إلى طاولة الحوار، إلا أن الاجتماع الأمريكي الإيراني الأخير كان أقرب إلى تبادل الأفكار منه إلى مفاوضات مكتملة الأركان، ولم يفضِ حتى الآن إلى اتفاق على أرضية مشتركة.
وأضاف أن طهران تريد العودة إلى المفاوضات من موقع الندية، وليس تحت ضغط التهديد العسكري أو العقوبات، لافتًا إلى أن مسؤولين إيرانيين سبق أن ربطوا بدء أي مفاوضات بوقف التهديدات الأمريكية.
ويرى الدعجة أن التصريحات المتضاربة الصادرة عن ترامب يمكن أن تؤثر في مسار المفاوضات، خصوصًا أن كل تصريح علني قد يفرض قيودًا إضافية على هامش الحركة السياسية لدى الطرف الآخر.
وأشار إلى أن بعض التصريحات الأمريكية قد ترتبط، بحسب تقديره، باعتبارات داخلية واقتصادية، من بينها محاولة التأثير في أسواق الطاقة وأسعار النفط، التي تتأثر بدرجة التصعيد العسكري واحتمالات اتساع نطاق المواجهة.
وأكد أن التفاوض بعيدًا عن الأضواء قد يمنح الطرفين مساحة أكبر لتقديم تنازلات متبادلة، بينما تؤدي التصريحات الإعلامية المتكررة إلى رفع سقف المواقف وإحراج صانعي القرار أمام الرأي العام الداخلي.
وأضاف أن تعدد مراكز التأثير داخل إيران يمكن أن ينعكس أيضًا على مسار التفاوض، مشيرًا إلى وجود تيارات سياسية وأطراف أخرى ذات تأثير في القرار، بما قد يؤدي إلى تباين في المواقف تجاه طبيعة العلاقة مع واشنطن.
وفي ما يتعلق بالعلاقات الأمريكية الصينية، قال الدعجة إن الملف الإيراني قد يكون حاضرًا ضمن القضايا التي تناقشها القمة المرتقبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ، إلى جانب ملفات اقتصادية وتجارية أكثر اتساعًا.
وأشار إلى أن الفجوة التجارية بين الولايات المتحدة والصين ستكون من أبرز الملفات المطروحة، موضحًا أن واشنطن تسعى إلى تحقيق قدر أكبر من التوازن في حركة التجارة بين البلدين.
كما لفت إلى تقارير صحفية غربية تحدثت عن دعم لوجستي وتقني صيني لإيران، بما في ذلك تقنيات ومعدات مرتبطة بأنظمة تحديد المواقع ورصد الطائرات الشبحية، معتبرًا أن مثل هذه الملفات قد تكون محل نقاش بين واشنطن وبكين.
وقال إن الصين تسعى إلى التأكيد على مفهوم التعددية القطبية والعلاقات القائمة على الندية، مشددًا على أن بكين، بحسب تقديره، لا تنظر إلى علاقاتها مع الدول الأخرى باعتبارها خاضعة لإملاءات أمريكية.
ويرى الدعجة أن الصين يمكن أن تؤدي دورًا في خفض التصعيد، بالنظر إلى علاقاتها مع إيران، موضحًا أن بكين قد تساهم في الدفع نحو حل وسط إذا شهدت المفاوضات تنازلات متبادلة من الأطراف.
وأضاف أن الصين لم تدخل بصورة مباشرة حتى الآن في وساطة معلنة بين واشنطن وطهران، لكنها قد تكون دعمت مسارات وساطة أخرى، مشيرًا إلى جهود قامت بها دول عدة، من بينها مصر وتركيا وقطر وباكستان، وصولًا إلى مسار وساطة باكستاني-قطري.
وأشار إلى أن القمة الأمريكية الصينية قد تسفر عن تفاهمات محدودة بشأن بعض الملفات، دون أن يعني ذلك بالضرورة تسوية جميع الخلافات، سواء بين واشنطن وبكين أو بشأن الملف الإيراني.