كشفت معطيات جديدة عن العملية العسكرية والاستخباراتية التي نفذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، والتي اتسمت بمستوى غير مسبوق من الرصد الدقيق والتخطيط طويل الأمد، شمل مراقبة أدق تفاصيل حياته اليومية، من نظامه الغذائي إلى تحركات حيواناته الأليفة.
وبحسب التفاصيل، خضعت تحركات مادورو لمراقبة استخباراتية مكثفة منذ أغسطس الماضي، في وقت كان يغيّر فيه أماكن إقامته باستمرار تحسبًا لأي استهداف محتمل، مع تصاعد التوتر بين كراكاس وواشنطن. وركزت أجهزة الاستخبارات على بناء صورة شاملة لما وصفته بـ«نمط حياة» مادورو، شملت أماكن إقامته وتنقلاته، وما يأكله ويرتديه، إضافة إلى ترتيباته الأمنية وطبيعة المجمعات التي يتحصن بها.
ووفق مسؤولين عسكريين أميركيين، استغرق الإعداد للعملية عدة أشهر، تخللتها تدريبات وبروفات وُصفت بالدقيقة، وصلت إلى حد إنشاء نموذج مطابق للمقر الذي كان يقيم فيه مادورو، بهدف محاكاة سيناريو الاقتحام المحتمل بكل تفاصيله، بما في ذلك الأبواب الفولاذية والغرف الآمنة.
وكانت القوات الأميركية قد أصبحت جاهزة للتنفيذ مطلع ديسمبر، إلا أن القرار أُرجئ مرارًا بانتظار توافر الظروف المناسبة، وخصوصًا من ناحية الطقس. وأصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأمر النهائي قبل أيام قليلة من التنفيذ، قبل أن يمنح الضوء الأخضر مساء الجمعة.
مع انطلاق «الساعة صفر»، أقلعت أكثر من 150 طائرة أميركية من قواعد برية وبحرية في المنطقة، ضمت مقاتلات وطائرات استطلاع ومسيّرات ومروحيات. وحلّقت المروحيات التي تقل وحدة الاقتحام على ارتفاع منخفض للغاية فوق سطح المحيط، مستفيدة من الظلام والتشويش الإلكتروني، بينما وفرت المقاتلات غطاءً جوياً كاملاً، وتكفلت التقنيات السيبرانية والأقمار الاصطناعية بتعطيل الرادارات والدفاعات الجوية الفنزويلية.
وقبيل الثانية فجراً بتوقيت فنزويلا، دوّت انفجارات في مواقع عدة داخل كراكاس، استهدفت منشآت عسكرية وأنظمة دفاع جوي، في وقت اعتقد فيه مراقبون أن البلاد على أعتاب حملة قصف واسعة، بينما كانت الضربات في الواقع تمهيدًا لتأمين مسار المروحيات نحو الهدف الأساسي.
وأكد ترامب لاحقًا أن القوات الفنزويلية «كانت تتوقع شيئًا ما»، لكنها وجدت نفسها «مشلولة بالكامل» وتم تحييدها بسرعة. وخلال العملية، أُصيبت إحدى المروحيات الأميركية، لكنها تمكنت من العودة إلى قاعدتها من دون خسائر بشرية.
وفي وقت مبكر من صباح السبت، هبطت المروحيات داخل المجمع الذي كان مادورو وزوجته موجودين فيه. وأظهرت المعطيات أن المقر كان محصنًا بأبواب فولاذية وغرف آمنة، إلا أن سرعة الاقتحام حالت دون تمكن مادورو من الوصول إلى إحدى تلك الغرف. وأكد ترامب أن القوات كانت مجهزة بمعدات خاصة لاختراق الفولاذ، لكنها لم تضطر إلى استخدامها.
وبحسب القيادة العسكرية، استسلم مادورو وزوجته من دون مقاومة، وتم وضعهما قيد الاحتجاز من قبل عناصر من وزارة العدل الأميركية، تمهيدًا لنقلهما خارج البلاد. ويواجه الزوجان اتهامات أميركية تتعلق بـ«الإرهاب المرتبط بالمخدرات» وتهريب كميات كبيرة من الكوكايين إلى الولايات المتحدة.
وعقب إتمام الاعتقال، حلّقت المروحيات باتجاه الساحل الفنزويلي، حيث نُقل مادورو وزوجته إلى سفينة حربية أميركية كانت متمركزة في المنطقة، قبل الإعلان رسميًا عن نجاح العملية. ولاحقًا، جرى نقلهما إلى الولايات المتحدة، حيث يمثل مادورو حاليًا أمام القضاء.
وفي سياق موازٍ، نُشرت صور رسمية أظهرت الرئيس الأميركي يتابع العملية من غرفة عمليات أُعدّت خصيصًا في مقر إقامته بولاية فلوريدا، بمشاركة كبار مسؤولي الدفاع والخارجية والاستخبارات. كما نُشرت لاحقًا أول صورة لمادورو مكبل اليدين ومعصوب العينين، قبل أن يتم حذفها بعد ساعات.
ويرى مراقبون أن هذه التفاصيل تعكس حجم الاستثمار الاستخباراتي والعسكري الذي وضعته واشنطن خلف العملية، كما تكشف عن انتقال المواجهة مع مادورو من مرحلة الضغوط السياسية والعقوبات إلى استخدام القوة المباشرة، في خطوة من شأنها أن تترك تداعيات عميقة على مستقبل فنزويلا والتوازنات في أميركا اللاتينية.