ads
ads

احتجاجات إيران تبدو مختلفة هذه المرة… مستقبل غامض لا تحسمه تهديدات ترامب وإسرائيل

المظاهرات في إيران
المظاهرات في إيران

رأت صحيفة واشنطن بوست، في مقال للكاتب إيشان ثارور، أن موجة الاحتجاجات الجارية في إيران تحمل ملامح مختلفة عمّا سبقها، ما يطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كان النظام الإيراني يقترب من لحظة حاسمة، في ظل تزايد الضغوط الداخلية وتراكم التحديات الخارجية في آن واحد.

وأشار المقال إلى أن الاحتجاجات الحالية ليست الأولى من نوعها، إذ سبقتها محطات بارزة، أبرزها احتجاجات “الحركة الخضراء” عام 2009، وانتفاضة عام 2022 التي قادتها النساء تحت شعار “نساء، حياة، حرية”، فضلاً عن موجات متكررة من الغضب الشعبي بين هذين الحدثين. وخلال تلك الفترات، خرج آلاف الإيرانيين إلى الشوارع احتجاجاً على تدهور الأوضاع المعيشية ورفضاً للنظام الديني الذي فقد، بحسب الكاتب، قدراً كبيراً من شعبيته.

وكشفت تلك الاحتجاجات، وفق المقال، عن إخفاقات عميقة في المشروع الثوري الإيراني، وعن حالة إحباط واسعة لدى شرائح كبيرة من المجتمع تطالب بمزيد من الحريات السياسية والاجتماعية. وفي كل مرة، واجهت السلطات هذه التحركات بقمع شديد شمل تعتيماً إعلامياً، واعتقالات جماعية، وحملات أمنية وُصفت بالدموية.

ويرجّح ثارور أن يتكرر السيناريو نفسه في المرحلة المقبلة، لا سيما مع امتداد الاحتجاجات إلى مختلف أنحاء البلاد، حيث تشهد جميع المحافظات الإيرانية الـ31 تقريباً تحركات متواصلة. وتؤكد منظمات حقوقية أن مئات الأشخاص قُتلوا منذ اندلاع الاحتجاجات، فيما اعتُقل مئات آخرون، وسط تحذيرات أطلقتها منظمات مستقلة من “مجزرة تتكشف”.

وعلى الرغم من استخدام العنف، لم تنجح الدولة حتى الآن في احتواء الاضطرابات التي اندلعت قبل نحو أسبوعين على خلفية التدهور الحاد في قيمة العملة الإيرانية. وبدأ الغضب، الذي انطلق من أوساط التجار، بالامتداد إلى شرائح اجتماعية أوسع، ما زاد من تعقيد المشهد.

وفي محاولة لاحتواء الأزمة، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان حزمة مساعدات اقتصادية موجهة للفئات الفقيرة، غير أن هذه الخطوة لم تُحدث الأثر المرجو، بل تشير مؤشرات عديدة إلى تصاعد وتيرة الاحتجاجات واتساعها، مدفوعة بجيل شاب أكثر جرأة وغضباً. ونقلت مراسلة واشنطن بوست يغنى ترباتي أن المتظاهرين باتوا يرفعون سقف مطالبهم، داعين إلى تغيير جذري في النظام السياسي.

وأظهرت مقاطع مصورة تداولها ناشطون مشاهد لأشخاص يرفعون علم النظام الملكي الذي أُطيح به عام 1979، فيما وثّق أحد المقاطع كتابة شعارات مؤيدة للملكية على لوحات إعلانية في طهران، في مؤشر على تنوع التيارات الرمزية داخل الاحتجاجات، وإن لم يشكل ذلك بالضرورة إجماعاً شعبياً.

وفي موازاة التحديات الداخلية، تواجه القيادة الإيرانية ضغوطاً إقليمية ودولية متزايدة. فقد أضعفت التطورات خلال العامين الماضيين نفوذ حلفاء طهران في لبنان وسوريا، فيما كشفت الضربات الإسرائيلية داخل العمق الإيراني، بما في ذلك عمليات اغتيال نوعية، عن هشاشة المنظومة الأمنية للنظام.

ورغم استمرار المرشد الأعلى علي خامنئي في تقديم إيران كقوة طليعية في “محور المقاومة” ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، يرى عدد متزايد من الإيرانيين أن النظام بات مؤسسة فاسدة تحتكر السلطة، وتفتقر إلى الكفاءة، وتعجز عن حماية البلاد.

وفي هذا السياق، اعتبر عباس ميلاني، المؤرخ الإيراني-الأمريكي في جامعة ستانفورد، أن “اللحظة الراهنة تتميز بانهيار عميق في شرعية النظام، وتزايد المطالب الشعبية بتغييره”. وأضاف أن الأنظمة الاستبدادية تعتمد على الخوف بقدر اعتمادها على الإكراه، غير أن هذا الخوف “تبدد إلى حد بعيد” في الحالة الإيرانية.

ويزيد من تعقيد المشهد استعداد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المعلن لاتخاذ إجراءات ضد النظام الإيراني، وهو ما أعاد إلى الأذهان، بحسب الكاتب، نماذج تدخل أمريكي سابقة، الأمر الذي يضع طهران أمام أزمة مركبة متعددة الأبعاد.

ويرى ولي نصر، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة جونز هوبكنز، أن “الجمهورية الإسلامية محاصرة بين تهديد خارجي تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل، وتهديد داخلي يتمثل في انتفاضة شعبية واسعة”، مضيفاً أن النظام في “مأزق حقيقي”، حتى وإن لم يكن انهياره الكامل وشيكاً بالضرورة.

وفي تحليل مماثل، كتب كريم ساجدبور وجاك غلادستون في مجلة ذي أتلانتك أن إيران تستوفي اليوم عدداً من الشروط الكلاسيكية للثورة، من بينها الانهيار الاقتصادي، والانقسامات داخل النخبة الحاكمة، وظهور بوادر تمرد شعبي واسع. واعتبرا أن النظام بات “أشبه بالزومبي”، لا يحافظ على بقائه سوى القوة القمعية، مشيرين إلى أن العامل الحاسم الذي لم يتحقق بعد هو تخلي الأجهزة القمعية نفسها عن الدفاع عن النظام.

غير أن السؤال الأهم، وفق المقال، يتعلق بما سيحدث لاحقاً. فإمكانات التدخل الخارجي، ولا سيما الأمريكي، تظل محفوفة بالمخاطر. فالتدخل المحدود قد يكون بلا أثر، في حين أن التدخل المفرط قد يؤدي إلى فوضى شاملة وعواقب لا يمكن التنبؤ بها.

ونقل الكاتب عن علي فائز، من “مجموعة الأزمات الدولية”، تحذيره من أن أي خطأ في تقدير مستوى التدخل قد يقود إلى نتائج كارثية، وهو ما يدفع بعض الحكومات الغربية إلى تفضيل الدبلوماسية على الخيارات العسكرية.

وفي السياق ذاته، كتبت هولي داغريس، الباحثة في معهد واشنطن، أن إيران تواجه مجموعة متداخلة من الأزمات، تشمل احتمال الحرب مع إسرائيل، وتعقيدات خلافة المرشد الأعلى، واستمرار الاحتجاجات، مشيرة إلى أن كثيراً من صناع القرار الغربيين يتوجسون من سيناريو التغيير خوفاً من “المجهول”.

وسط هذه الضبابية، عبّر رضا بهلوي، نجل الشاه الإيراني المخلوع، عن تفاؤله بإمكانية لعب دور في مرحلة انتقالية محتملة، معلناً استعداده للمساعدة في توجيه البلاد نحو “انتقال مسؤول”. غير أن هذا الطرح لا يحظى بإجماع، إذ يرى المؤرخ عباس أمانات أن النظام لا يزال قادراً على القمع في ظل غياب معارضة منظمة، واصفاً بهلوي بأنه “سراب سياسي” يفتقر إلى القاعدة والدعم الفعليين.

وفي موقف لافت، حذّر المخرج الإيراني المعروف جعفر بناهي من الرهان على التدخل الخارجي أو الخطاب التصعيدي، مؤكداً أن التغيير الحقيقي لا يمكن أن يأتي إلا من داخل المجتمع الإيراني نفسه. وقال إن النظام فقد شرعيته بالفعل، لكن مصير البلاد سيحدده قرار الشعب، لا تهديدات الخارج ولا وعود شخصيات منفية.

وبين تصاعد الاحتجاجات، وضغوط الخارج، وتعدد السيناريوهات المفتوحة، تبقى إيران أمام مفترق طرق تاريخي، حيث يبدو أن القادم لا تحسمه لا تهديدات ترامب وإسرائيل، ولا رهانات نجل الشاه، بقدر ما تحدده ديناميات الداخل وإرادة الشارع الإيراني.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً