منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، اعتمدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية نظام حكم فريدًا يجمع بين مؤسسات تبدو ديمقراطية شكليًا وبين سيادة ثيوقراطية مطلقة، تقوم على مبدأ «ولاية الفقيه». هذا المبدأ لا يشكّل مجرد مرجعية دينية، بل يمثل الأساس الدستوري الذي تُبنى عليه السلطة السياسية بكاملها في البلاد.
وعلى الرغم من وجود انتخابات دورية لرئاسة الجمهورية والبرلمان ومجالس أخرى، فإن القرار النهائي في الشأن السياسي والاستراتيجي يظل بيد المرشد الأعلى، الذي يتربع على قمة هرم السلطة، ويمسك بمفاصل الدولة كافة.
المرشد الأعلى: مركز الثقل في النظام
يُعد المرشد الأعلى أعلى منصب في الجمهورية الإسلامية، وبحسب المادة الخامسة من الدستور، فهو «ولي الأمر وإمام الأمة» في زمن غيبة الإمام المهدي. ومنذ الثورة، لم تعرف إيران سوى مرشدين اثنين:
آية الله روح الله الخميني (1979–1989)
آية الله علي خامنئي (منذ 1989)
شروط تولي المنصب
تنص المادتان 5 و109 من الدستور على مجموعة شروط أبرزها:
الاجتهاد والكفاءة الفقهية
العدالة والتقوى
البصيرة السياسية والاجتماعية
القدرة على الإدارة والقيادة والشجاعة
آلية الاختيار والعزل
يتولى مجلس خبراء القيادة اختيار المرشد، ويحتفظ بصلاحية عزله في حال فقدان أحد الشروط أو العجز عن أداء المهام. وفي حال شغور المنصب، تتولى قيادة مؤقتة ثلاثية إدارة شؤون البلاد إلى حين تعيين مرشد جديد.
صلاحيات شبه مطلقة
تمنح المادة 110 من الدستور المرشد الأعلى سلطات واسعة تشمل:
رسم السياسات العامة للنظام
الإشراف على تنفيذها
القيادة العليا للقوات المسلحة
إعلان الحرب والسلام
تعيين وعزل كبار المسؤولين (القضاء، الحرس الثوري، الإعلام الرسمي)
المصادقة على انتخاب رئيس الجمهورية أو عزله
حل الأزمات الكبرى عبر مجمع تشخيص مصلحة النظام
هذا التركيز للسلطة يجعل من المرشد الفاعل الحقيقي الأول في الحياة السياسية الإيرانية.
مجلس خبراء القيادة: انتخاب بلا استقلال
يتكوّن المجلس من 88 عضوًا يُنتخبون مباشرة من الشعب، لكن الترشح له يخضع لموافقة مجلس صيانة الدستور، ما يجعل تركيبة المجلس منسجمة مسبقًا مع الخط العام للنظام.
مهامه الأساسية
اختيار المرشد الأعلى
مراقبة أدائه (نظريًا)
شروط الترشح
أن يكون المرشح مجتهدًا في الفقه
التمتع بسمعة دينية وأخلاقية
الولاء الكامل لنظام الجمهورية الإسلامية
مجلس صيانة الدستور: بوابة النظام السياسية
يُعد مجلس صيانة الدستور أحد أهم أدوات الضبط السياسي في إيران، ويتكون من:
6 فقهاء يعيّنهم المرشد
6 حقوقيين يرشحهم رئيس السلطة القضائية ويصادق عليهم البرلمان
صلاحياته
مراجعة القوانين ومدى توافقها مع الشريعة والدستور
الإشراف على الانتخابات
قبول أو استبعاد المرشحين للرئاسة والبرلمان ومجلس الخبراء
وبذلك، يتحكم المجلس فعليًا في من يشارك في الحياة السياسية ومن يُقصى عنها.
مجمع تشخيص مصلحة النظام: حلقة الوصل العليا
يتدخل مجمع تشخيص مصلحة النظام لحسم الخلافات بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور، أو لمعالجة قضايا كبرى يحيلها المرشد إليه.
يُعيّن المرشد أعضاءه
يعمل تحت إشرافه المباشر
يضطلع بدور استشاري وتشريعي غير مباشر
رئيس الجمهورية: سلطة تنفيذية مقيّدة
يُعد رئيس الجمهورية أعلى منصب رسمي بعد المرشد، وهو المسؤول عن إدارة الحكومة وتنفيذ الدستور، باستثناء الملفات المرتبطة مباشرة بالمرشد.
شروط الترشح
العمر بين 40 و75 عامًا
شهادة عليا
خبرة تنفيذية لا تقل عن 4 سنوات
الالتزام بولاية الفقيه
أن يكون شيعيًا إيراني الأصل
القبول النهائي من مجلس صيانة الدستور
رغم انتخابه شعبيًا، فإن صلاحيات الرئيس تبقى محدودة ضمن الإطار الذي يرسمه المرشد والمؤسسات التابعة له.
مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان)
يتكون البرلمان من 270 نائبًا منتخبين لمدة أربع سنوات، مع إمكانية زيادة العدد مستقبلًا. ويضم تمثيلًا رمزيًا للأقليات الدينية:
نائب لليهود
نائب للزرادشتيين
نائب للمسيحيين الآشوريين والكلدان
نائبان للأرمن (شمال وجنوب)
لكن القوانين التي يقرها البرلمان لا تصبح نافذة إلا بعد مصادقة مجلس صيانة الدستور.
خلاصة تحليلية
يعكس نظام الحكم في إيران ازدواجية بنيوية:
من جهة، مؤسسات منتخبة وانتخابات دورية
ومن جهة أخرى، سلطة دينية عليا غير منتخبة تتحكم في المسار السياسي برمّته
هذه البنية تجعل من الجمهورية الإسلامية دولة ذات واجهة جمهورية ومضمون ثيوقراطي، حيث تبقى السيادة الفعلية محصورة في يد المرشد والمؤسسات المرتبطة به، مهما تغيّرت الوجوه المنتخبة.