نشرت مجلة "فورين أفيرز" تحليلاً للباحث روبرت بابي، يخلص فيه إلى أن "الضربات القاضية" التي ظنت واشنطن وتل أبيب أنها ستحسم المعركة ضد طهران، قد أوقعت المنفذين في فخ استراتيجي لم يكن في الحسبان. فبينما نجحت عملية "الغضب الملحمي" في تصفية رؤوس القيادة الإيرانية، إلا أنها فشلت في شلّ الدولة، بل حفّزت طهران على تبني سياسة "التصعيد الأفقي"؛ وهي استراتيجية تعتمد على توسيع رقعة الحرب جغرافياً وسياسياً لإرباك حسابات الخصم الأقوى.
يرى بابي أن الرد الإيراني، الذي طال تسع دول على الأقل في ساعات معدودة، لم يكن مجرد رد فعل يائس، بل كان رسالة سياسية وعملياتية شديدة الوضوح. فمن خلال استهداف محيط القواعد الأمريكية في دول الخليج، سعت طهران إلى ضرب "صورة الاستقرار" في المنطقة ورفع الكلفة السياسية لاستضافة القوات الأمريكية. إن هذا النوع من التصعيد يهدف إلى نقل المعركة من الميادين العسكرية إلى أروقة البرلمانات ومجالس إدارات الشركات العالمية، حيث ترتفع أسعار النفط وتتأثر سلاسل الإمداد، مما يضع صناع القرار في الغرب أمام ضغوط داخلية لا يمكن تجاهلها.
وتحذر المجلة من أن استراتيجية "تغيير النظام بالقصف" قد أثبتت عقمها تاريخياً، كما حدث في فيتنام وصربيا، حيث استطاعت الأطراف الأضعف امتصاص الضربات الجوية وتحويل الصراع إلى استنزاف طويل الأمد. وفي الحالة الإيرانية، تلعب الجغرافيا دور الحليف الأول لطهران؛ فمساحتها الشاسعة وانتشار منصات إطلاقها فوق شاحنات متحركة يجعل من رهان "السيطرة الجوية الدائمة" أمراً مستحيلاً من الناحية اللوجستية، حتى لو تم تدمير الأهداف المرئية.
وخلص المقال إلى أن إدارة ترامب تجد نفسها اليوم أمام خيارين أحلاهما مر: فإما المضي قدماً في حرب إقليمية مفتوحة قد تستمر لسنوات وتستنزف الاقتصاد الأمريكي، وإما إعلان "تحقيق الأهداف" والانسحاب، وهو ما سيُفسر سياسياً على أنه فشل في إتمام المهمة. إن الدرس الأهم الذي تقدمه "فورين أفيرز" هو أن الحروب الإقليمية المعقدة لا تُحسم بضربة واحدة، وأن التفوق التكنولوجي، مهما بلغ إبهاره، يظل عاجزاً عن إلغاء حقيقة أن الأرض والوقت يعملان غالباً لصالح من يجيد إدارة "التصعيد الصبور".