في خطوة استراتيجية بارزة تعكس تحولاً هيكلياً في السياسة الدفاعية للولايات المتحدة وإعادة ترتيب أولوياتها العسكرية حول العالم، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) عن تقليص عدد فرقها وألويتها القتالية المنتشرة في القارة الأوروبية، مفسحة المجال أمام مقاربة أمنية جديدة تضع عبء الدفاع التقليدي على كاهل العواصم الأوروبية.
وأوضح البنتاغون، في بيان رسمي صدر عقب مراجعة شاملة ومتعددة المستويات للتموضع العسكري، أن الخطوة تقضي بخفض عدد الفرق والفرق القتالية للألوية (BCTs) المتمركزة في أوروبا من أربع فرق إلى ثلاث فرق فقط، مؤكداً أن هذا الإجراء يعيد مستوى انتشار القوات العسكرية الأمريكية في القارة إلى ما كان عليه في عام 2021 (أي قبيل اندلاع الأزمة الأوكرانية).
دفع الحلفاء نحو "المسؤولية الأساسية" وتأجيل الانتشار ببولندا
وأكدت وزارة الدفاع الأمريكية أن هذه المراجعة العميقة تهدف بشكل مباشر إلى دعم وتفعيل استراتيجية الرئيس دونالد ترامب القائمة على مبدأ "أمريكا أولاً" في أوروبا ومختلف المسارح الدولية. وتسعى واشنطن من خلال هذا التوجه الصريح إلى تحفيز حلفاء منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتمكينهم من تحمل المسؤولية الرئيسية والمباشرة عن الدفاع التقليدي لقارتهم، وتقليل الاتكال التاريخي المستمر على المظلة العسكرية والتمويل الأمريكيين.
وترتب على هذا القرار إعلان البنتاغون عن "تأخير مؤقت" في خطة نشر دورية كانت مقررة للواء مدرع يضم نحو 4,000 جندي أمريكي في بولندا؛ ورغم هذا الإرجاء، وصف البيان بولندا بأنها "حليف نموذجي للولايات المتحدة أظهر القدرة والعزيمة على الدفاع عن نفسه"، موجهاً رسالة ضمنية لبقية أعضاء الناتو بضرورة حذو حذوها ورفع نسب إنفاقهم الدفاعي فوراً.
حسابات استراتيجية معلقة بانتظار مساهمات "الناتو"
وعلى الصعيد الدبلوماسي والعسكري المشترك، أجرى وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث اتصالاً هاتفياً مع نائب رئيس الوزراء وزير الدفاع البولندي فلاديسواف كوسينياك-كاميش، لضمان التنسيق الوثيق وإعادة ترتيب ملفات الانتشار المشترك، مع تأكيد واشنطن الالتزام بالإبقاء على وجود عسكري قوي وفعال هناك فوق الأراضي البولندية.
مصير التواجد الإجمالي: تشكل الألوية العسكرية المستهدفة جزءاً من قوام القوات الأمريكية في أوروبا البالغ نحو 85 ألف عسكري. ولم يحسم البنتاغون بعد الوضع النهائي للمستويات الإجمالية للقوات المتبقية، مبيناً أن القرار النهائي سيرتبط بتحليلات عملياتية معمقة ومدى جدية وقدرة الحلفاء الأوروبيين على تقديم مساهمات حقيقية ملموسة بقواتهم الخاصة للدفاع عن القارة.