شهدت الأشهر الماضية تصاعداً لافتاً في وتيرة الهجمات والغارات الجوية التي تنفذها الطائرات المسيّرة والمقاتلات الإسرائيلية ضد مقار وعناصر جهاز الشرطة المدنية في قطاع غزة، وهو ما تجلى مؤخراً في قصف النقاط المؤقتة ومركبات تسيير الأمن في مناطق كالنصيرات، وخان يونس، والشيخ رضوان. ويثير هذا الاستهداف الممنهج لقوة شرطية تُصنف وفقاً للقانون الدولي الإنساني على أنها قوة مدنية محمية، تساؤلات جوهرية حول الخلفيات الأمنية والسياسية التي تدفع تل أبيب للتركيز على ضرب ما تبقى من الهيكل الإداري والخدمي الداخلي في القطاع، لا سيما في مرحلة ما بعد إعلان التهدئة الهشة وبدء ترتيبات إدارة المشهد العام.
وترى قراءات مراقبين ومحللين أمنيين أن الدوافع الإسرائيلية وراء هذه الضربات تتمحور حول نقطتين رئيسيتين؛ أولاهما الرفض الصارم والقطعي من جانب حكومة بنيامين نتنياهو لمنح أي نوع من الشرعية أو النفوذ الميداني لأي عنصر أو هيكل تنظيمي يمت بصلة لحركة "حماس" في مستقبل القطاع، حتى وإن كان يقتصر على تنظيم المرور، أو حماية الأسواق والمنشآت الحيوية كالمخابز، أو تأمين قوافل المساعدات الإنسانية من السطو الممنهج. وتتعامل العقيدة العسكرية الإسرائيلية مع أفراد الشرطة كجزء متصل بالبنية التنفيذية للحركة، متجاهلة التمييز القانوني الذي تصر عليه المنظمات الدولية ومكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، والذي يرى في تفكيك هذه المؤسسات محاولة متعمدة لإحداث انهيار كامل في النظام العام.
أما البُعد الآخر والعميق لسياسة الاستهداف، فيكمن فيما يسميه خبراء الاجتماع السياسي والأمني "هندسة الفراغ وفوضى المليشيات"، حيث تسعى تل أبيب من خلال تقويض الأجهزة الأمنية المحلية إلى خلق بيئة عائمة من عدم الاستقرار الداخلي والاقتتال الأهلي لتسهيل نفوذ جماعات وعصابات محلية مسلحة غير رسمية. وتأتي هذه الخطوات الاستباقية لتوجيه رسالة ضغط مباشرة على مسار المفاوضات السياسية الجارية برعاية الوسطاء، بهدف قطع الطريق أمام المقترحات المطروحة لدمج آلاف الكوادر الشرطية ضمن إدارة تكنوقراط فلسطينية جديدة لإدارة غزة، مستخدمة الفوضى الميدانية كورقة ضغط لفرض ترتيبات أمنية بديلة تلائم الرؤية الإسرائيلية لـ "اليوم التالي" للحرب.